ونصّ الحنفيّة على أنّ الاعتكاف لا يفسد بالاحتلام , ثمّ إن أمكنه الاغتسال في المسجد من غير أن يتلوّث المسجد فلا بأس به , وإلّا فيخرج ويغتسل ويعود إلى المسجد .
وقال المالكيّة: إذا حاضت المرأة وهي في مسجد اعتكافها - قبل إتمام ما نوته أو نذرته - خرجت وجوبًا منه وعليها حرمة الاعتكاف , فلا تفعل ما لا يفعله المعتكف من جماع أو مقدّماته أو غير ذلك , فإذا طهرت من حيضها رجعت فورًا لمعتكفها للبناء , والمراد بالبناء: الإتيان ببدل ما حصل فيه المانع وتكميل ما نذرته ولو أخّرت رجوعها إليه ولو ناسيةً أو مكرهةً بطل اعتكافها وعليها أن تستأنفه .
وإذا أجنب الرّجل في المسجد وكان معتكفًا فسد اعتكافه وابتدأه بعد أن يغتسل , إذ يحرم على المعتكف من أهله باللّيل ما يحرم عليه منهنّ بالنّهار , ولا يحل لرجل أن يمسّ امرأته وهو معتكف , لقوله تعالى: { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } .
ويقول الشّافعيّة: إذا طرأ الحيض وجب الخروج , وكذا الجنابة إن تعذّر الغسل في المسجد لحرمة المكث فيه على الحائض والجنب , فلو أمكن الغسل فيه جاز الخروج له ولا يلزم , بل يجوز الغسل فيه ويلزمه أن يبادر به كيلا يبطل تتابع اعتكافه , ولا يحسب زمن الحيض ولا الجنابة في المسجد من الاعتكاف لمنافاتهما له .
وقال الزّركشي: إذا أجنب الرّجل في المسجد أستحبّ له أن يراعي أقرب الطرق إلى الخروج .
ويقول الحنابلة: إنّه على الحائض المعتكفة أن تتحيّض في خباء في رحبة المسجد إن كان له رحبة وأمكن ذلك بلا ضرر وإلّا ففي بيتها , فإن طهرت وكان الاعتكاف منذورًا رجعت فأتمّت اعتكافها وقضت ما فاتها ولا كفّارة عليها .
وقال ابن مفلح: وفي جواز مبيت الجنب فيه مطلقًا بلا ضرورة روايتان , وقيل: يجوز إن كان مسافرًا أو مجتازًا , وإلّا فلا .
وإذا خاف الجنب على نفسه أو ماله , أو لم يمكنه الخروج من المسجد , أو لم يجد مكانًا غيره , أو لم يمكنه الغسل ولا الوضوء تيمّم ثمّ أقام في المسجد , وإذا توضّأ الجنب فله اللبث في المسجد , وقال أكثر أهل العلم: لا يجوز له ذلك .
تخطّي الرّقاب في المسجد:
37 -لتخطّي الرّقاب في المسجد أحكام تختلف بالنّظر إلى المتخطّي إن كان إمامًا أو غيره , أو كان للصّلاة أو لغيرها , ومع وجود فرجة أو عدم وجودها .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( تخطّي الرّقاب ف / 2 وما بعدها ) .
وقف المسجد والوقف عليه:
38 -أجمع الفقهاء على جواز وقف المسجد والوقف عليه ممّن كان من أهل التّبرع , لأنّه قربة وعلى جهة بر , إلّا أنّهم وضعوا قواعد لزوال ملك واقفه عنه ولزومه .
وفي هذا يقول الحنفيّة: إنّ من بنى مسجدًا لم يزل ملكه عنه حتّى يفرزه عن ملكه بطريقه, ويأذن للنّاس بالصّلاة فيه , فإذا صلّى فيه واحد زال عن ملكه عند أبي حنيفة ومحمّد في إحدى روايتين عنهما , وفي الأخرى: لا يزول إلّا بصلاة جماعة , وعند أبي يوسف يزول ملكه عنه بمجرّد قوله: جعلته مسجدًا , لأنّ التّسليم عنده ليس بشرط , كما يصح الوقف عليه والمسجد جعل للّه تعالى على الخلوص محرّرًا عن أن يملك العباد فيه شيئًا غير العبادة فيه وما كان كذلك خرج عن ملك الخلق أجمعين .
ومتى زال ملكه عنه ولزم فليس له أن يرجع فيه ولا يبيعه ولا يورث عنه , لأنّه تجرّد عن حقّ العباد وصار خالصًا للّه تعالى , وهذا لأنّ الأشياء كلّها للّه وإذا أسقط العبد ما ثبت له من الحقّ رجع إلى أصله فانقطع تصرفه عنه كما في الإعتاق .
ويقول المالكيّة: إنّ من بنى مسجدًا , وخلّى بينه وبين النّاس للصّلاة فيه صحّ وقفه ولزم , فإذا لم يخل الواقف بينه وبين النّاس بطل وقفه , كما يصح الوقف عليه .
ويقول الشّافعيّة: إنّ من بنى مسجدًا وصلّى فيه , أو أذن للنّاس بالصّلاة , وقال: وقفته مسجدًا للصّلاة فيه صحّ وقفه , وإن لم يقل ذلك لم يصر مسجدًا , لأنّه إزالة ملكٍ على وجه القربة فلم يصحّ من غير قول مع القدرة كالعتق .
فإذا صحّ لزم وانقطع تصرف الواقف فيه, لما روى ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعمر رضي اللّه عنه: « إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها قال فتصدّق بها عمر إنّه لا يباع ولا يوهب ولا يورث » , ويزول ملكه عن العين في الصّحيح عندهم .
ويقول الحنابلة: إنّ من بنى مسجدًا وأذن للنّاس بالصّلاة فيه إذنًا عامًا كان لازمًا ومؤبّدًا لا يباع ولا يوهب ولا يورث .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( وقف ) .
الوصيّة للمسجد:
39 -الوصيّة للمسجد أجازها الفقهاء ويصرف الموصى به في مصالحه كوقوده وعمارته, لأنّه مقصود النّاس بالوصيّة له .
وقال الدسوقي: إن اقتضى العرف صرفها للمجاورين كالجامع الأزهر صرف لهم لا لمرمّته وحصره , ونحوهما .
والتّفصيل في مصطلح ( وصيّة ) .
دخول الذّمّيّ المسجد:
40 -يرى الحنفيّة أنّه لا بأس بدخول الذّمّيّ المسجد الحرام أو غيره من المساجد , لما روي « أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا كفّارًا وقال إنّه ليس على الأرض من أنجاس النّاس شيء إنّما أنجاس النّاس على أنفسهم » , وتأويل الآية أنّهم لا يدخلون مستولين أو طائفين عراةً كما كانت عادتهم .
ومنع المالكيّة دخول الذّمّيّ المسجد , وإن أذن له مسلم في الدخول ما لم تدع ضرورة لدخوله كعمارة وإلّا فلا .
وقال الزّركشي: يمكّن الكافر من دخول المسجد واللبث فيه وإن كان جنبًا , فإنّ الكفّار كانوا يدخلون مسجده صلّى اللّه عليه وسلّم ولا شكّ أنّ فيهم الجنب .