فهرس الكتاب

الصفحة 1882 من 2053

وذهب محمّد بن شجاع الثّلجي من الحنفيّة إلى أنّ الآدميّ لا ينجس بالموت بتشرب الدّم المسفوح في أجزائه , كرامةً له ، لأنّه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات الّتي حكم بنجاستها بالموت , والآدمي يطهر بالغسل حتّى روي عن محمّد أنّ الميت لو وقع في البئر قبل الغسل يوجب تنجيس البئر , ولو وقع بعد الغسل لا يوجب تنجسه فعلم أنّه لم يتنجّس بالموت ولكن وجب غسله للحدث , لأنّ الموت لا يخلو عن سابقة حدث لوجود استرخاء المفاصل وزوال العقل , والبدن في حقّ التّطهير لا يتجزّأ فوجب غسله كله . وذهب المالكيّة في المعتمد والشّافعيّة في الأظهر , والحنابلة في الصّحيح من المذهب والبلخي من الحنفيّة إلى أنّ ميتة الآدميّ ولو كافرًا طاهرة , لقوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } , وقضيّة تكريمهم أن لا يحكم بنجاستهم بالموت , ولخبر « لا تنجّسوا موتاكم فإنّ المؤمن لا ينجس حيًّا ولا ميتًا » ، قال عياضٌ: ولأنّ غسله وإكرامه يأبى تنجيسه , إذ لا معنى لغسل الميتة الّتي هي بمنزلة العذرة .

وأمّا قوله تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } فالمراد نجاسة الاعتقاد أو أنّا نجتنبهم كالنّجاسة لا نجاسة الأبدان , ولهذا ربط النّبي صلى الله عليه وسلم الأسير في المسجد , وقد أحلّ اللّه طعام أهل الكتاب .

وقد نصّ المالكيّة والشّافعيّة على أنّ هذا الخلاف في غير أجساد الأنبياء لأنّ أجساد الأنبياء متّفق على طهارتها , وألحق ابن العربيّ المالكي بهم الشّهداء .

وإنّما الخلاف في طهارة ميتة الآدميّ ونجاستها في المسلم والكافر .

فذهب بعض المالكيّة إلى نجاسة ميتة الآدميّ .

وقال ابن قدامة: ويحتمل أن ينجس الكافر بموته لأنّ الخبر: « المؤمن لا ينجس » إنّما ورد في المسلم ولا يصح قياس الكافر عليه ؛ لأنّه لا يصلّى عليه وليس له حرمة كحرمة المسلم .

حكم ما أبين من الآدميّ:

25 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ ما أبين من الآدميّ يأخذ حكمه في القول بطهارته أو بنجاسته .

فذهب الحنفيّة في الصّحيح إلى أنّ شعر الآدميّ غير المنتوف طاهر بخلاف المنتوف فإنّه نجسٌ لما يحمل من دسومة .

وكذلك عظم الميت وعصبه فإنّهما طاهران على المشهور من المذهب , وكذلك سن الميت على الظّاهر من المذهب فإنّه طاهر لأنّه لا دم فيها والمنجّس هو الدّم .

وكذلك ظفر الميت فإنّه طاهر إذا كان خاليًا عن الدسومة .

وذهب المالكيّة في المعتمد عندهم إلى طهارة ما أبين من الآدميّ مطلقًا سواء كان في حال حياته أو بعد موته بناءً على المعتمد من طهارة ميتته , وأمّا على القول الآخر في المذهب فما أبين منه نجسٌ مطلقًا .

وذهب الشّافعيّة إلى إلحاق ما انفصل من الآدميّ بميتته في الطّهارة .

وقال الحنابلة: حكم أجزاء الآدميّ وأبعاضه حكم جملته سواء انفصلت في حياته أو بعد موته , لأنّها أجزاء من جملته فكان حكمها كسائر الحيوانات الطّاهرة والنّجسة ولأنّها يصلّى عليها فكانت طاهرةً كجملته , وذكر القاضي أنّها نجسة روايةً واحدةً لأنّها لا حرمة لها .

ت - غسل ما أبين من الآدميّ والصّلاة عليه:

26 -نصّ الشّافعيّة والحنابلة على أنّه إذا وجد بعض الميت غسل وصلّي عليه لأنّ عمر رضي الله عنه صلّى على عظام بالشّام , وصلّى أبو عبيدة رضي الله عنه على رءوسٍ , وصلّت الصّحابة رضي الله عنهم على يد عبد الرّحمن بن عتّاب بن أسيد ألقاها طائر بمكّة من وقعة الجمل .

وقال الحنفيّة: إذا وجد رأس آدمي أو أحد شقّيه لا يغسّل ولا يصلّى عليه بل يدفن إلّا أن يوجد أكثر من نصفه ولو بلا رأسٍ فإنّه يغسّل ويصلّى عليه .

وقال المالكيّة: لا يغسّل دون ثلثي الجسد , والمراد بالجسد ما عدا الرّأس , فإذا وجد نصف الجسد أو أكثر منه ودون الثلثين مع الرّأس لم يغسل على المعتمد ولا يصلّى عليه أي يكره, لأنّ شرط الغسل وجود الميت , فإن وجد بعضه فالحكم للغالب ولا حكم لليسير وهو ما دون الثلثين .

والعلّة في ترك الصّلاة على ما دون الجلّ خوف الوقوع في المكروه وهو الصّلاة على غائب, قال في التّوضيح لأنّا لا نخاطب بالصّلاة على الميت إلّا بشرط الحضور , وحضور جلّه كحضور كلّه , وحضور الأقلّ بمنزلة العدم .

( ر: تغسيل الميت ف / 26 ) .

ث - تنازع الميت والحيّ الماء:

27 -اتّفق الفقهاء على أنّه إذا اجتمع ميت وجنب وحائضٌ ومحدثٌ وكان الماء ملكًا لأحدهم فهو أولى به لأنّه أحق بملكه , وللفقهاء بعد ذلك تفصيل:

ذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا كان الماء ملكًا لأحدهم فهو أولى به لأنّه أحق بملكه .

أمّا إذا كان الماء مباحًا فإنّ الجنب أولى بالماء من الحائض والمحدث وييمّم الميت ليصلّى عليه , وكذا المرأة والمحدث ويقتديان به , لأنّ الجنابة أغلظ من الحدث , والمرأة لا تصلح إمامًا .

وقيل في السّراج: أنّ الميت أولى لأنّ غسله يراد للتّنظيف وهو لا يحصل بالتراب .

وعن الظّهيريّة أنّ الأوّل أصح , وفي السّراج أيضًا: لو كان الماء يكفي المحدث فقط كان أولى به لأنّه يرفع الحدث .

أمّا إذا كان الماء مشتركًا فينبغي لكلّ منهم أن يصرف نصيبه للميت حيث كان كل واحد لا يكفيه نصيبه , ولا يمكن الجنب ولا غيره أن يستقلّ بالكلّ لأنّه مشغول بحصّة الميت , وكون الجنابة أغلظ لا يبيح استعمال حصّة الميت فلم يكن الجنب أولى , بخلاف ما لو كان الماء مباحًا فإنّه حيث أمكن به رفع الجنابة كان أولى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت