وذهب المالكيّة إلى أنّ المبتدأة الّتي استمرّ بها الدّم إن كانت استوفت تمام حيضها بنصف شهرٍ أو بالاستظهار فذلك الدّم استحاضة وإلا ضمّته للأوّل حتّى يحصل تمامه بالخمسة عشر يومًا أو بالاستظهار , وما زاد فاستحاضة .
وأمّا المعتادة الّتي استمرّ بها الدّم فإنّها تزيد ثلاثة أيّامٍ على أكثر عادتها استظهارًا , ومحل الاستظهار بالثّلاثة ما لم تجاوز نصف الشّهر , ثمّ بعد أن مكثت المبتدأة نصف شهرٍ , وبعد أن استظهرت المعتادة بثلاثة أو بما يكمل نصف شهرٍ , تصير إن تمادى بها الدّم مستحاضةً , ويسمّى الدّم النّازل بها دم استحاضةٍ ودم علّةٍ وفسادٍ , وهي في الحقيقة طاهر تصوم وتصلّي وتوطأ .
وإذا ميّزت المستحاضة الدّم بتغير رائحةٍ أو لونٍ أو رقّةٍ أو ثخنٍ أو نحو ذلك بعد تمام طهرٍ فذلك الدّم المميّز حيض لا استحاضة , فإن استمرّ بصفة التّميز استظهرت بثلاثة أيّامٍ ما لم تجاوز نصف شهرٍ , ثمّ هي مستحاضة , وإلا - بأن لم يدم بصفة التّميز بأن رجع لأصله - مكثت عادتها فقط ولا استظهار .
ب - الاحتياط في صوم رمضان وقضائه:
11 -اتّفق الحنفيّة والشّافعيّة في المشهور عندهم على أنّ المتحيّرة تصوم رمضان كاملًا وجوبًا , لاحتمال طهارتها في كلّ يومٍ .
وقد أجاز الشّافعيّة لها صيام التّطوع خلافًا للحنفيّة حيث منعوها منه .
واختلفوا في كيفيّة قضاء رمضان بناءً على اختلافهم في أكثر الحيض:
فذهب الشّافعيّة إلى أنّها تصوم بعد رمضان شهرًا آخر كاملًا ثلاثين يومًا متواليةً , فيحصل لها من كلٍّ منهما أربعة عشر يومًا , وهذا إذا كان رمضان كاملًا , فإن كان ناقصًا فإنّه يحصل لها منه ثلاثة عشر يومًا فيبقى لها يومان سواء كان رمضان كاملًا أو ناقصًا , وذلك إن لم تعتد الانقطاع ليلًا كأن اعتادته نهارًا , أو شكّت لاحتمال أن تحيض فيهما أكثر الحيض , ويطرأ الدّم في يومٍ وينقطع في يومٍ آخر , فيفسد ستّة عشر يومًا من كلٍّ من الشّهرين , بخلاف ما إذا اعتادت الانقطاع ليلًا فإنّه لا يبقى عليها شيء .
وإذا بقي عليها يومان فأكثر أو أقل فلها في قضائه طريقان:
إحداهما: طريقة الجمهور: وتجرى في أربعة عشر يومًا فما دونها , وذلك أن تضعّف ما عليها وتزيد عليه يومين , وتقسم الجميع نصفين فتصوم نصفه في أوّل الشّهر , ونصفه في أوّل النّصف الآخر , والمقصود بالشّهر هنا ثلاثون يومًا متى شاءت ابتدأت , وعلى هذا إذا أرادت صوم يومين فإنّها تصوم من ثمانية عشر يومًا ثلاثةً أوّلها وثلاثةً من آخرها فيحصل اليومان لأنّ غاية ما يفسده الحيض ستّة عشر يومًا فيحصل لها يومان على كلّ تقديرٍ , لأنّ الحيض إن طرأ في أثناء اليوم الأوّل من صومها انقطع في أثناء السّادس عشر فيحصل اليومان بعده , أو في اليوم الثّاني انقطع في السّابع عشر فيحصل الأوّل والأخير أو في اليوم الثّالث فيحصل اليومان الأوّلان , أو في اليوم السّادس عشر انقطع اليوم الأوّل فيحصل لها الثّاني والثّالث , أو في السّابع عشر انقطع في الثّاني فيحصل لها السّادس عشر والثّالث , أو في الثّامن عشر انقطع في الثّالث فيحصل لها السّادس عشر والسّابع عشر .
والطّريقة الثّانية: طريقة الدّارميّ ، واستحسنها النّووي في المجموع , وتجرى في سبعة أيّامٍ فما دونها , أن تصوم بقدر ما عليها بزيادة يومٍ متفرّقٍ بأيّ وجهٍ شاءت في خمسة عشر , ثمّ تعيد الصّوم كلّ يومٍ غير الزّيادة يوم سابع عشر , ولها تأخيره إلى خامس عشر ثانيةً , فيمكن قضاء يومٍ بصوم يومٍ , ثمّ الثّالث من الأوّل , والسّابع عشر منه , لأنّها قد صامت بقدر ما عليها أوّلًا بزيادة يومٍ متفرّقًا في خمسة عشر يومًا , وبقدر ما عليها في سابع عشر فيقع لها في يومٍ من الأيّام الثّلاث في الطهر على كلّ تقديرٍ .
وهذا في غير الصّوم المتتابع , أمّا المتتابع بنذر أو غيره: فإن كان سبعةً فما دونها صامته ولاءً تصوم ثلاث مرّاتٍ , الثّالثة منها في سابع عشر شروعها في الصّوم بشرط أن تفرّق بين كلّ مرّتين من الثّلاث بيوم فأكثر حيث يتأتّى الأكثر , وذلك فيما دون السّبع فلقضاء يومين ولاءً تصوم يومًا وثانيه , ولسابع عشرة وثامن عشرة ويومين بينهما ولاءً غير متّصلين بشيء من الصّومين فتبرأ , لأنّ الحيض إن فقد في الأوّلين صحّ صومهما , وإن وجد فيهما صحّ الأخيران إذ لم يفد فيهما , وإلا فالمتوسطان , وإن وجد في الأوّل دون الثّاني صحّا - أيضًا - أو بالعكس .
فإن انقطع قبل السّابع عشر صحّ مع ما بعده , وإن انقطع فيه صحّ الأوّل والثّامن عشر , وتخلل الحيض لا يقطع الولاء , وإن كان الصّوم الّذي تخلّله قدرًا يسع وقت الطهر لضرورة تحير المستحاضة , فإن كان المتتابع أربعة عشر فما دونها صامت له ستّة عشر ولاءً , ثمّ تصوم قدر المتتابع أيضًا ولاءً بين أفراده وبينها وبين السّتّة عشر , فلقضاء ثمانيةٍ متتابعةٍ تصوم أربعةً وعشرين ولاءً فتبرأ إذ الغاية بطلان ستّة عشر , فيبقى لها ثمانية من الأوّل أو من الآخر أو منهما أو من الوسط , ولقضاء أربعة عشر تصوم ثلاثين , وإن كان ما عليها شهران متتابعان صامت مائةً وأربعين يومًا ولاءً فتبرأ , إذ يحصل من كلّ ثلاثين أربعة عشر يومًا فيحصل من مائةٍ وعشرين ستّة وخمسون , ومن عشرين الأربعة الباقية .
وإنّما وجب الولاء لأنّها لو فرّقت احتمل وقوع الفطر في الطهر فيقطع الولاء .