35 -قال الحنفية إن البئر الصغيرة - وهي ما دون عشرة أذرع في عشرة - ينجس ماؤها بوقوع نجاسة فيها ، وإن قلت النجاسة من غير 40 96 الأرواث كقطرة دم أو خمر ، ولكي تطهر ينزح ماؤها كما تنزح بوقوع خنزير فيها ولو خرج حيا ولم يصب فمه الماء لنجاسة عينه .
وتنزح بموت كلب فيها ، فإذا لم يمت وخرج حيا ولم يصل فمه الماء لا ينجس ، لأنه غير نجس العين على الصحيح .
كما تنزح أبضا بموت شاة أو موت آدمي فيها ، لنزح ماء زمزم بموت زنجي وأمر ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم به بمحضر من الصحابة من غير نكير .
وتنزح بانتفاخ حيوان ولو كان صغيرا لانتشار النجاسة ، فلو لم يمكن نزحها نزح منها وجوبا مئتا دلو وسط ، وهو المستعمل كثيرا في تلك البئر ، وقدر محمد رحمه الله الواجب بمائتي دلو لو لم يمكن نزحها ، وأفتى به لما شاهد آبار بغداد كثيرة المياه لمجاورة دجلة .
وإن مات في البئر دجاجة أو هرة أو نحوهما في الجثة ولم ينتفخ لزم نزح أربعين دلوا بعد إخراج الواقع منها ، روي التقدير بالأربعين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الدجاجة ، وما قاربها يعطى حكمها ، وتستحب الزيادة إلى خمسين أو ستين لما روي عن عطاء والشعبي .
وإن مات فيها فأرة أو نحوها كعصفور ولم ينتفخ لزم نزح عشرين دلوا بعد إخراجه ، لقول أنس رضي الله عنه في فأرة ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها ينزح عشرون دلوا ، وتستحب الزيادة إلى ثلاثين لاحتمال زيادة الدلو المذكور في الأثر على ما قدر به من الوسط ، وكان ذلك المنزوح طهارة للبئر والدلو والرشا والبكرة ويد المستسقى ، روي ذلك عن أبي يوسف والحسن ، لأن نجاسة هذه الأشياء كانت بنجاسة الماء ، فتكون طهارتها بطهارته نفيا للحرج ، كطهارة دن الخمر بتخللها ، وطهارة عروة الأبريق بطهارة اليد إذا أخذها كلما غسل يده .
ولا تنجس البئر بالبعر وهو للإبل والغنم ، والروث - للفرس والبغل والحمار ، والخثى للبقر ، ولا فرق بين آبار الأمصار والفلوات في الصحيح ، ولا فرق بين الرطب واليابس ، والصحيح والمنكسر في ظاهر الرواية لشمول الضرورة ، فلا تنجس إلا أن يكون كثيرا ، وهو ما يستكثره الناظر أو أن لا يخلو دلو عن بعرة ونحوها كما صححه في المبسوط ، والقليل ما يستقله وعليه الاعتماد .
ولا ينجس الماء بخرء حمام وعصفور ، ولا بموت ما لا دم له فيه كسمك وضفدع ، ولا بوقوع آدمي وما يؤكل لحمه إذا خرج حيا ولم يكن على بدنه نجاسة متيقنة ، ولا بوقوع بغل 40 97 وحمار وسباع طير ووحش في الصحيح ، وإن وصل لعاب الواقع إلى الماء أخذ حكمه ، ووجود حيوان ميت فيها ينجسها من يوم وليله ومنتفخ من ثلاثة أيام ولياليها إن لم يعلم وقت وقوعه .
36 -وقال المالكية إذا مات بري ذو نفس سائلة في بئر فإن تغير الماء طعما أو لونا أو ريحا وجب نزحه حتى يزول التغير ويعود كهيئته أولا طاهرا مطهرا ، فإن زال بنفسه فالظاهر عوده إلى أصله ، فيصير طهورا خلافا لابن القاسم ، وقال البناني الأرجح أنه يطهر ، وهو قول ابن وهب عن مالك واعتمد عليه خليل والأجهوري ، وقال عبد الباقي لا يطهر ، ورجح ابن رشد قول ابن وهب . وإن لم يتغير ندب النزح بقدر الماء قلة وكثرة ، والحيوان صغرا وكبرا ، وأما إن وقع حيا أو طرق ميتا وأخرج فلا نزح ولا كراهة .
وفي المدونة إن مات بري ذو نفس سائلة بماء لا مادة له كالجب لا يشرب منها ولا يتوضأ ، وينزح الماء كله ، بخلاف ما له مادة .
وفي العتبية قال مالك في ثياب أصابها ماء بئر وقعت فيه فأرة فماتت وتسلخت يغسل الثوب وتعاد الصلاة في الوقت .
وقال الدردير على أقرب المسالك وإذا مات الحيوان البري في الماء القليل أو الكثير له مادة أو لا كالصهاريج - وكان له نفس سائلة أي دم يجري منه إذا جرح - فإنه يندب النزح منه بقدر الحيوان من كبر أو صغر ، وبقدر الماء من قلة وكثرة ، إلى ظن زوال الفضلات التي خرجت من فيه حال خروج روحه في الماء .
وينقص النازح الدلو لئلا تطفو الدهنية فتعود للماء ثانيا ، والمدار على ظن زوال الفضلات .
فلو أخرج الحيوان من الماء قبل موته ، أو وقع فيه ميتا ، أو كان جاريا أو مستبحرا كغدير عظيم جدا ، أو كان الحيوان بحريا كحوت ، أو بريا ليس له نفس سائلة كعقرب وذباب ، لم يندب النزح ، فلا يكره استعماله كما لا يكره بعد النزح . هذا ما لم يتغير الماء بالحيوان المذكور ، فإن تغير لونا أو طعما أو ريحا تنجس لأن ميتته نجسة .
40 98 37 - وقال الشافعية إن ماء البئر كغيره في قبول النجاسة وزوالها ، فإن كان قليلا وتنجس بوقوع نجاسة فلا ينبغي أن ينزح لينبع الماء الطهور بعده ، لأنه وإن نزح فقعر البئر يبقى نجسا ، وقد تنجس جدران البئر أيضا بالنزح ، بل ينبغي أن يترك ليزداد فيبلغ حد الكثرة .
وإن كان نبعها قليلا لا تتوقع كثرته صب فيها ماء ليبلغ الكثرة ويزول التغير إن كان تغير .
وإن كان الماء كثيرا طاهرا وتفتت فيه شيء نجس كفأرة تمعط شعرها فقد يبقى على طهوريته لكثرته وعدم التغير ، لكن يتعذر استعماله ، لأنه لا ينزح دلوا إلا وفيه شيء من النجاسة ، فينبغي أن يستقى الماء كله ليخرج الشعر منه .
فإن كانت العين فوارة وتعذر نزح الجميع نزح ما يغلب على الظن أن الشعر خرج كله معه ، فما بقي بعد ذلك في البئر وما يحدث طهور لأنه غير مستيقن النجاسة ولا مظنونها ، ولا يضر احتمال بقاء الشعر .
فإن تحقق شعرا بعد ذلك حكم به ، فأما قبل النزح إلى الحد المذكور إذا غلب على ظنه أنه لا يخلو كل دلو عن شيء من النجاسة لكن لم يتيقنه ففي جواز استعماله قولان .