أَحْوَالُ الْبَنَاتِ: 39 - جُمِعَتْ أَحْكَامُ مِيرَاثِ بَنَاتِ الْمُتَوَفَّى فِي قوله تعالى: { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ . فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ . وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } . فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ الْبَنَاتِ الصُّلْبِيَّاتِ ثَلَاثٌ: الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ ابْنُ صُلْبِيٌّ أَوْ أَبْنَاءُ , فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الْجَمِيعُ عَصَبَةً لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ , وَيَأْخُذُونَ التَّرِكَةَ كُلَّهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُورَثِ أَصْحَابُ فَرْضٍ , أَوْ الْبَاقِي بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ . الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمَيِّتِ بِنْتَانِ فَأَكْثَرُ , وَلَيْسَ مَعَهُنَّ ابْنٌ لِلْمَيِّتِ , فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُنَّ ثُلُثَا التَّرِكَةِ بِالتَّسَاوِي . أَمَّا الْبِنْتَانِ فَاسْتِحْقَاقُهُمَا الثُّلُثَانِ , وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ { لَمَّا اُسْتُشْهِدَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ رضي الله عنه يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَ خَلَّفَ ابْنَتَيْنِ وَزَوْجَةً , فَاسْتَوْلَى أَخُوهُ عَلَى مَالِهِ , فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَتْ: إنَّ سَعْدًا قُتِلَ مَعَك وَخَلَفَ ابْنَتَيْنِ , وَقَدْ غَلَبَ عَمُّهُمَا عَلَى مَالِهِمَا وَلَا يُرْغَبُ فِي النِّسَاءِ إلَّا بِمَالٍ , وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُنْكَحَانِ إلَّا وَلَهُمَا مَالٌ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَمْ يُنْزِلْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا . ثُمَّ ظَهَرَ آثَارُ الْوَحْيِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: قِفُوا مَالَ سَعْدٍ , فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مَا إنْ بَيَّنَهُ لِي بَيَّنْته لَكُمْ , وَتَلَا عَلَيْهِمْ قوله تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبُ مِمَّا تَرَكَ } الْآيَةَ ثُمَّ قوله تعالى: { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } فَدَعَا أَخَا سَعْدٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ وَالْمَرْأَةَ الثُّمُنَ وَلَهُ مَا بَقِيَ . وَقِيلَ: هَذَا أَوَّلُ مِيرَاثٍ فِي الْإِسْلَامِ . كَمَا اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ أَدْنَى مَرَاتِبِ الِاخْتِلَاطِ: ابْنٌ وَبِنْتٌ , فَلِلِابْنِ حِينَئِذٍ الثُّلُثَانِ بِالِاتِّفَاقِ , فَعُرِفَ بِهَذِهِ الْإِشَارَةِ أَنَّ الْبِنْتَيْنِ لَهُمَا الثُّلُثَانِ فِي الْجُمْلَةِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا فِي حَالَةِ انْفِرَادِهِمَا فَلَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِ حَالِهِمَا , بَلْ إلَى بَيَانِ حَالِ مَا فَوْقَهُمَا , فَلِذَلِكَ جَاءَتْ الْآيَةُ { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } أَيْ فَإِنْ كُنَّ جَمَاعَةً بَالِغَاتٍ مَا بَلَغْنَ مِنْ الْعَدَدِ فَلَهُنَّ مَا لِلِاثْنَتَيْنِ أَيْ الثُّلُثَانِ لَا يَتَجَاوَزْنَهُ , وَبِأَنَّ الْبِنْتَيْنِ أَمَسُّ رَحِمًا مِنْ الْأُخْتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُحْرِزَانِ الثُّلُثَيْنِ فَهُمَا أَوْلَى بِذَلِكَ الْإِحْرَازِ . وَبِأَنَّ الْأُخْتَ إذَا كَانَتْ مَعَ أَخِيهَا وَجَبَ لَهَا الثُّلُثُ , فَبِالْأَوْلَى أَنْ يَجِبَ لَهَا ذَلِكَ مَعَ أُخْتٍ أُخْرَى . وَكَذَا الْبِنْتُ يَجِبُ لَهَا مَعَ أُخْتِهَا مِثْلُ مَا كَانَ لَهَا لَوْ انْفَرَدَتْ مَعَ أَخِيهَا فَوَجَبَ لَهُمَا ذَلِكَ . وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ . وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْبِنْتَيْنِ حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْوَاحِدَةِ , أَيْ أَنَّ نَصِيبَهُمَا إذَا انْفَرَدَتَا عَنْ عَاصِبٍ هُوَ النِّصْفُ . وَاسْتَدَلَّ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بِأَنَّ الْآيَةَ { فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } قَدْ نَصَّتْ عَلَى حُكْمِ الْأَكْثَرِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَعَلَى الْوَاحِدَةِ . فَإِذَا أَعْطَيْت الثِّنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ فَقَدْ خَالَفْت الْآيَةَ , فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تُعْطَيَا الْأَقَلَّ . لَكِنْ قَالَ الشَّرِيفُ الْأُرْمَوِيُّ: صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ , وَصَارَ إجْمَاعًا ; إذْ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ حُجَّةٌ . وَحَكَى الْإِجْمَاعَ الْعَلَّامَةُ الشِّنْشَوَرِيُّ وَقَالَ: مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمُنْكَرٌ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ الثَّالِثَةُ: أَنْ تَرِثَ النِّصْفَ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا , وَهُوَ ابْنُ الْمُتَوَفَّى الْمُبَاشِرُ: وَدَلِيلُ ذَلِكَ قوله تعالى: { وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ } .