الْإِرْثُ بِالرَّدِّ: 63 - مِنْ مَعَانِي الرَّدِّ فِي اللُّغَةِ: الرَّجْعُ . يُقَالُ: رَجَعْت بِمَعْنَى رَدَدْت . وَمِنْهُ رَدَدْت عَلَيْهِ الْوَدِيعَةَ وَرَدَدْته إلَى مَنْزِلِهِ فَارْتَدَّ إلَيْهِ . وَفِي الِاصْطِلَاحِ: دَفْعُ مَا فَضَلَ مِنْ فُرُوضِ ذَوِي الْفُرُوضِ النَّسَبِيَّةِ إلَيْهِمْ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ , عِنْدَ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْغَيْرِ . فَالرَّدُّ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَمْرَانِ: أَوَّلُهُمَا: أَلَّا تَسْتَغْرِقَ الْفُرُوضُ التَّرِكَةَ ; إذْ لَوْ اسْتَغْرَقَتْهَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ حَتَّى يُرَدَّ . ثَانِيهِمَا: أَلَّا يُوجَدَ عَاصِبٌ نَسَبِيٌّ أَوْ سَبَبِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ . فَلَوْ وُجِدَ عَاصِبٌ نَسَبِيٌّ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ , وَهُوَ الْأَبُ أَوْ الْجَدُّ أَخَذَ الْبَاقِيَ تَعْصِيبًا بَعْدَ الْفَرْضِ . 64 - وَالرَّدُّ مَحَلُّ خِلَافٍ بَيْنَ الصَّحَابَةِ . فَقَدْ انْقَسَمُوا فِيهِ إلَى فَرِيقَيْنِ , وَتَبِعَ كُلَّ فَرِيقٍ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ . 65 - فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَى الرَّدِّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ , وَتَبِعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْإِمَامَانِ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ , لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ . فَذَهَبَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ إلَى: أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَعَ ذَوِي الْفُرُوضِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ , وَلَا مِنْ السَّبَبِ يُرَدُّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ بِقَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ إلَّا الزَّوْجَيْنِ , وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ . وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ . وَذَهَبَ عُثْمَانُ إلَى أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ أَيْضًا , وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . وَاحْتَجَّ عُثْمَانُ لِلرَّدِّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ بِأَنَّ الْغُنْمَ بِالْغُرْمِ , فَكَمَا أَنَّ بِالْعَوْلِ تَنْقُصُ سِهَامُهُمَا , فَيَجِبُ أَنْ تُزَادَ بِالرَّدِّ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يُرَدُّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ إلَّا عَلَى سِتَّةٍ: الزَّوْجَيْنِ , وَابْنَةِ الِابْنِ مَعَ ابْنَةِ الصُّلْبِ , وَالْأُخْتِ لِأَبٍ مَعَ الْأُخْتِ الشَّقِيقَةِ , وَأَوْلَادِ الْأُمِّ مَعَ الْأُمِّ , وَالْجَدَّةِ مَعَ ذِي سَهْمٍ أَيًّا كَانَ , وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى جِهَةَ الرَّدِّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ , وَأَوْلَادِ الْأُمِّ مَعَ الْأُمِّ , وَالْجَدَّةِ مَعَ ذِي سَهْمٍ فَقَطْ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَصْحَابِ الْفُرُوضِ إلَّا ثَلَاثَةً: الزَّوْجَيْنِ وَالْجَدَّةَ . وَقَدْ أَجْمَعُ مُتَأَخِّرُو فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ , وَهُمْ مَنْ بَعْدَ الْأَرْبَعِمِائَةِ , عَلَى أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى ذَوِي الْفُرُوضِ , وَيُورَثُ ذَوُو الْأَرْحَامِ إذَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ , وَذَلِكَ بِأَلَّا يَكُونَ هُنَاكَ إمَامٌ أَصْلًا , أَوْ وُجِدَ وَفَقَدَ بَعْضَ شُرُوطِهِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ , إذَا فَقَدَ الْإِمَامُ بَعْضَ الشُّرُوطِ لَكِنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ الْعَدَالَةُ , وَأَوْصَلَ الْحُقُوقَ إلَى أَصْحَابِهَا , كَانَ بَيْتُ الْمَالِ مُنْتَظِمًا . أَدِلَّةُ الْقَائِلِينَ بِالرَّدِّ: 66 - اسْتَدَلَّ الْقَائِلُونَ بِالرَّدِّ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ: أَوَّلًا: بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } فَإِنَّ مَعْنَاهَا بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِمِيرَاثِ بَعْضٍ بِسَبَبِ الرَّحِمِ , فَقَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَوِي الرَّحِمِ يَسْتَحِقُّونَ جَمِيعَ الْمِيرَاثِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ . وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ الْمِيرَاثِ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ مَجْمُوعُهُ . وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ خِلَافُ الظَّاهِرِ . وَعَلَى ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ الْمَفْهُومَةَ مِنْ الْآيَةِ تَحْصُلُ بِإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي فَرْضٍ فَرْضَهُ , لِأَنَّ إعْطَاءَ الْفَرْضِ حَصَلَ مِنْ آيَةٍ أُخْرَى هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ , وَحَمْلُ آيَةِ الْأَنْفَالِ عَلَى التَّأْسِيسِ وَإِفَادَةُ حُكْمٍ جَدِيدٍ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهَا عَلَى تَأْكِيدِ مَا فِي آيَةِ الْفَرْضِ , فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا فِي الْآيَتَيْنِ , وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَلَا يُرَدُّ عَلَى الزَّوْجَيْنِ , لِانْعِدَامِ الرَّحِمِ فِي حَقِّهِمَا . ثَانِيًا: { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ قَالَ سَعْدٌ: أَمَا إنَّهُ لَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لِي , أَفَأُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي ؟ إلَى أَنْ قَالَ عليه الصلاة والسلام: الثُّلُثُ خَيْرٌ . وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ } . لَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ سَعْدًا اعْتَقَدَ أَنَّ الْبِنْتَ تَرِثُ جَمِيعَ الْمَالِ , وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام , وَمَنَعَهُ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِمَا زَادَ عَنْ الثُّلُثِ , مَعَ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالرَّدِّ ; إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ ابْنَتُهُ تَسْتَحِقُّ مَا زَادَ عَلَى فَرْضِهَا -