الْمِيرَاثُ مِنْ جِهَتَيْنِ: 103 - قَدْ يَكُونُ لِأَحَدِ الْوَرَثَةِ جِهَتَانِ لِلْمِيرَاثِ . فَإِذَا كَانَتْ الْجِهَتَانِ مَعًا مِنْ طَرِيقِ الْعُصُوبَةِ وَرِثَ بِأَقْوَاهُمَا . فَإِذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ عَنْ ابْنٍ , هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمٍّ . فَإِنَّ التَّرِكَةَ تَكُونُ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ ابْنًا وَلَا شَيْءَ لَهُ بِالْقَرَابَةِ الْأُخْرَى , لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْعُمُومَةِ . فَإِذَا اخْتَلَفَتْ جِهَتَا إرْثٍ تَقْتَضِي كُلٌّ مِنْهُمَا الْمِيرَاثَ , وَرِثَ بِالْجِهَتَيْنِ . فَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ عَنْ أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ , أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ شَقِيقٍ . فَإِنَّ لِلْأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ الثُّلُثَ فَرْضًا مُنَاصَفَةً بَيْنَهُمَا , وَالْبَاقِي يَنْفَرِدُ بِهِ الْأَخُ لِأُمٍّ الَّذِي هُوَ ابْنُ عَمٍّ شَقِيقٍ بِاعْتِبَارِهِ عَاصِبًا فَيَأْخُذُ الْبَاقِيَ . وَقَدْ يُحْجَبُ الشَّخْصُ عَنْ الْمِيرَاثِ بِإِحْدَى الْجِهَتَيْنِ فَيَرِثُ بِالْأُخْرَى , لِعَدَمِ وُجُودِ حَاجِبٍ لَهُ فِيهَا , كَمَا إذَا تُوُفِّيَ عَنْ بِنْتٍ , وَابْنَيْ عَمٍّ شَقِيقٍ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ , فَإِنَّ لِلْبِنْتِ النِّصْفَ فَرْضًا , وَالْبَاقِي لِابْنَيْ الْعَمِّ الشَّقِيقِ تَعْصِيبًا مُنَاصَفَةً بَيْنَهُمَا , وَلَا شَيْءَ لِابْنِ الْعَمِّ الثَّانِي بِاعْتِبَارِهِ أَخًا لِأُمٍّ , لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْبِنْتِ .
مِيرَاثُ الْخُنْثَى: 104 - الْخُنْثَى لُغَةً: مَنْ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا , جَمْعُهُ خَنَاثَى وَخَنَاثٌ . وَالْخَنِثُ كَكَتِفٍ مَنْ فِيهِ انْخِنَاثٌ , أَيْ تَكَسُّرٌ وَتَثَنٍّ . وَقَدْ خَنِثَ كَفَرِحَ وَانْخَنَثَ . وَفِي الِاصْطِلَاحِ: مَنْ لَهُ آلَةُ الرِّجَالِ وَآلَةُ النِّسَاءِ مَعًا . أَوْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا أَصْلًا , فَقَدْ سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مِيرَاثِ مَوْلُودٍ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْآلَتَيْنِ وَيَخْرُجُ مِنْ سُرَّتِهِ شِبْهُ بَوْلٍ غَلِيظٍ , فَاعْتَبَرَهُ أُنْثَى . وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى مُشْكِلٍ وَغَيْرِ مُشْكِلٍ . فَاَلَّذِي يَتَبَيَّنُ فِيهِ عَلَامَاتُ الذُّكُورِيَّةِ أَوْ الْأُنُوثِيَّةِ , فَيُعْلَمُ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَلَيْسَ بِمُشْكِلٍ , إنَّمَا هُوَ رَجُلٌ فِيهِ خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ , أَوْ امْرَأَةٌ فِيهَا خِلْقَةٌ زَائِدَةٌ . 105 - وَحُكْمُهُ فِي إرْثِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ: حُكْمُ مَا ظَهَرَتْ عَلَامَاتُهُ فِيهِ . وَيُعْتَبَرُ بِمَبَالِهِ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ , قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخُنْثَى يُورَثُ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ . فَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ , وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ فَهُوَ امْرَأَةٌ , وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ: عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ مَوْلُودٍ لَهُ قُبُلٌ وَذَكَرٌ: مِنْ أَيْنَ يُورَثُ ؟ قَالَ: مِنْ حَيْثُ يَبُولُ } . وَرُوِيَ أَنَّهُ عليه السلام { أُتِيَ بِخُنْثَى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: وَرِّثُوهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَبُولُ مِنْهُ . } وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْبَوْلِ أَعَمُّ الْعَلَامَاتِ , لِوُجُودِهَا مِنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ . وَسَائِرُ الْعَلَامَاتِ إنَّمَا تُوجَدُ بَعْدَ الْكِبَرِ مِثْلَ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ , وَتَفَلُّكِ الثَّدْيِ ( اسْتِدَارَتُهُ ) , وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ , وَالْحَيْضِ , وَالْحَبَلِ , وَإِنْ بَالَ مِنْهُمَا جَمِيعًا اُعْتُبِرَ أَسْبَقُهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ . فَإِنْ خَرَجَا مَعًا وَلَمْ يَسْبِقْ أَحَدُهُمَا , فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: يَرِثُ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهُ أَكْثَرُ , وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ . وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ . وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عَنْهُ , وَإِنْ اسْتَوَى الْمِقْدَارُ الْخَارِجُ مِنْ الْمَحَلَّيْنِ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَا عِلْمَ لَنَا بِذَلِكَ , وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ مُشْكِلًا . 106 - فَإِنْ مَاتَ لَهُ مَنْ يَرِثُهُ . فَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: يُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَبْلُغَ , فَيَتَبَيَّنَ فِيهِ عَلَامَاتُ الرِّجَالِ مِنْ نَبَاتِ اللِّحْيَةِ , وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ , وَكَوْنِهِ مَنِيَّ رَجُلٍ , أَوْ عَلَامَاتُ النِّسَاءِ مِنْ الْحَيْضِ , وَالْحَبَلِ , وَتَفَلُّكِ الثَّدْيَيْنِ . وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ . فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ أُعْطِي هُوَ وَبَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ الْيَقِينَ , وَوُقِفَ الْبَاقِي إلَى حِينِ بُلُوغِهِ , فَتَعْمَلُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ ثُمَّ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى , وَيَدْفَعُ إلَى كُلِّ وَارِثٍ أَقَلَّ النَّصِيبَيْنِ , وَيُوقَفُ الْبَاقِي حَتَّى يَبْلُغَ .