وَيَرِثُ الْحَمْلُ بِشَرْطَيْنِ: الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُولَدَ حَيًّا , حَتَّى تُعْتَبَرَ حَيَاتُهُ عِنْدَ الْوِلَادَةِ امْتِدَادًا لِحَيَاتِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ , وَدَلِيلًا عَلَيْهَا . يَقُولُ الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام: { إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ } وَيَرْوِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَوْلَهُمَا: { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا يَرِثُ الصَّبِيُّ حَتَّى يَسْتَهِلَّ } . فَإِذَا وُلِدَ مَيِّتًا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ . وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى حَيَاتِهِ فِيمَا قَبْلُ , لَا يَكُونُ وَارِثًا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ , لِأَنَّ شَرْطَ الْمِيرَاثِ حَيَاةُ الْوَارِثِ . وَإِذَا نَزَلَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ بِجِنَايَةٍ عَلَيْهَا فَلَا يَرِثُ أَيْضًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ , لِعَدَمِ وُجُودِ دَلِيلٍ عَلَى حَيَاتِهِ , وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَرِثُ , لِأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ حَيًّا قَبْلَ الْجِنَايَةِ ; إذْ أَوْجَبَ عَلَى الْجَانِي ( الْغُرَّةَ ) وَوُجُوبُهَا لِلْجِنَايَةِ عَلَى الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ , وَكَذَلِكَ يَرِثُ عِنْدَهُمْ مُورَثُهُ الَّذِي مَاتَ , وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ , ثُمَّ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ . 113 - وَيَكْفِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَخْرُجَ أَكْثَرُ الْحَمْلِ حَيًّا . فَإِذَا ابْتَدَأَ نُزُولَهُ مُسْتَقِيمًا بِرَأْسِهِ وَبَقِيَ حَيًّا حَتَّى خَرَجَ صَدْرُهُ كُلُّهُ , أَوْ ابْتَدَأَ نُزُولَهُ مَنْكُوسًا بِرِجْلَيْهِ وَاسْتَمَرَّ حَيًّا حَتَّى ظَهَرَتْ سُرَّتُهُ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ , وَرِثَ عِنْدَهُمْ , لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ . وَاشْتَرَطَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ أَنْ تَتِمَّ وِلَادَتُهُ كُلِّهِ حَيًّا . وَتُعْرَفَ حَيَاتُهُ بِالِاسْتِهْلَالِ صَارِخًا . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا سِوَى الِاسْتِهْلَالِ . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ , وَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِهْلَالِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَرِثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا , وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ , وَرُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , مُسْتَدِلِّينَ بِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { إذَا اسْتَهَلَّ الْمَوْلُودُ وَرِثَ } أَنَّهُ لَا يَرِثُ بِغَيْرِ الِاسْتِهْلَالِ , وَلِأَنَّ الِاسْتِهْلَالَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ حَيٍّ . وَالْحَرَكَةُ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ حَيٍّ . وَرُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَرِثُ السِّقْطُ وَيُورَثُ إذَا اسْتَهَلَّ . فَقِيلَ لَهُ مَا اسْتِهْلَالُهُ ؟ قَالَ: إذَا صَاحَ أَوْ عَطَسَ أَوْ بَكَى , فَعَلَى هَذَا كُلُّ صَوْتٍ يُوجَدُ مِنْهُ تُعْلَمُ بِهِ حَيَاتُهُ فَهُوَ اسْتِهْلَالٌ , وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , لِأَنَّهُ صَوْتٌ عُلِمَتْ بِهِ حَيَاتُهُ فَأَشْبَهَ الصُّرَاخَ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: إذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهُ بِصَوْتٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرِثَ وَثَبَتَتْ لَهُ أَحْكَامُ الْمُسْتَهِلِّ , لِأَنَّهُ حَيٌّ . وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ . الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَأْتِيَ بِهِ فِي أَثْنَاءِ الْعِدَّةِ , فَإِنْ أَقَرَّتْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ , وَأَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَذَبَتْ , وَوَرِثَ , وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ فِي دَعْوَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ , وَإِنْ لَمْ تُقِرَّ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَأَتَتْ بِهِ لِتَمَامِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَمْلِ , أَوْ لِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَرِثَ , لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ عَالِقَةً قَبْلَ الْمَوْتِ . وَإِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ تَمَامِ مُدَّةِ الْحَمْلِ - عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ - فَلَا يَرِثُ , لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ بَعْدَ الْوَفَاةِ .