12 -يشترط في الإمام السّلامة من فقد شرطٍ من شروط صحّة الصّلاة كالطّهارة من حدثٍ أو خبثٍ ، فلا تصحّ إمامة محدثٍ ولا متنجّسٍ إذا كان يعلم ذلك ، لأنّه أخلّ بشرطٍ من شروط الصّلاة مع القدرة على الإتيان به ، ولا فرق بين الحدث الأكبر والأصغر ، ولا بين نجاسة الثّوب والبدن والمكان .
وصرّح المالكيّة والشّافعيّة أنّ علم المقتدي بحدث الإمام بعد الصّلاة مغتفر ، وقال الحنفيّة: من اقتدى بإمامٍ ثمّ علم أنّ إمامه محدث أعاد لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من أمّ قومًا ثمّ ظهر أنّه كان محدثًا أو جنبًا أعاد صلاته » .
وفصّل الحنابلة فقالوا: لو جهله المأموم وحده وعلمه الإمام يعيدون كلّهم ، أمّا إذا جهله الإمام والمأمومون كلّهم حتّى قضوا الصّلاة صحّت صلاة المأموم وحده ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إذا صلّى الجنب بالقوم أعاد صلاته وتمّت للقوم صلاتهم » . وتفصيله في مصطلح: ( طهارة ) .
ذ - النّيّة:
13 -يشترط في الإمام عند الحنابلة نيّة الإمامة ، فإنّهم قالوا: من شرط صحّة الجماعة: أن ينوي الإمام أنّه إمام وينوي المأموم أنّه مأموم . ولو أحرم منفردًا ثمّ جاء آخر فصلّى معه ، فنوى إمامته صحّ في النّفل ، لحديث ابن عبّاسٍ أنّه قال: « بتّ عند خالتي ميمونة ، فقام النّبيّ صلى الله عليه وسلم متطوّعًا من اللّيل ، فقام إلى القربة فتوضّأ ، فقام فصلّى ، فقمت لمّا رأيته صنع ذلك ، فتوضّأت من القربة ، ثمّ قمت إلى شقّه الأيسر ، فأخذ بيدي من وراء ظهره يعدلني كذلك إلى الشّقّ الأيمن » .
أمّا في الفرض فإن كان ينتظر أحدًا ، كإمام المسجد يحرم وحده ، وينتظر من يأتي فيصلّي معه ، فيجوز ذلك أيضًا .
واختار ابن قدامة أنّ الفرض كالنّفل في صحّة صلاة من أحرم منفردًا ثمّ نوى أن يكون إمامًا . وقال الحنفيّة: نيّة الرّجل الإمامة شرط لصحّة اقتداء النّساء إن كنّ وحدهنّ ، وهذا في صلاةٍ ذات ركوعٍ وسجودٍ ، لا في صلاة الجنازة ، لما يلزم من الفساد بمحاذاة المرأة له لو حاذته ، وإن لم ينو إمامة المرأة ونوت هي الاقتداء به لم تضرّه ، فتصحّ صلاته ولا تصحّ صلاتها ، لأنّ الاشتراك لا يثبت دون النّيّة .
ولا يشترط نيّة الإمام الإمامة عند المالكيّة والشّافعيّة ، إلاّ في الجمعة والصّلاة المعادة والمنذورة عند الشّافعيّة ، لكنّه يستحبّ عندهم للإمام أن ينوي الإمامة في سائر الصّلوات للخروج من خلاف الموجب لها ، وليحوز فضيلة الإمامة وصلاة الجماعة .
الأحقّ بالإمامة:
14 -وردت في ذلك الأحاديث التّالية: عن أبي سعيدٍ قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « إذا كانوا ثلاثةً فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم » رواه أحمد ومسلم والنّسائيّ . وعن أبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:
« يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه ، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسّنّة ، فإن كانوا في السّنّة سواءً فأقدمهم هجرةً ، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سنًّا ، ولا يؤمّنّ الرّجل الرّجل في سلطانه ، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلاّ بإذنه » .
15 -اتّفق الفقهاء على أنّه إذا اجتمع قوم وكان فيهم ذو سلطانٍ ، كأميرٍ ووالٍ وقاضٍ فهو أولى بالإمامة من الجميع حتّى من صاحب المنزل وإمام الحيّ ، وهذا إذا كان مستجمعًا لشروط صحّة الصّلاة كحفظ مقدار الفرض من القراءة والعلم بأركان الصّلاة ، حتّى ولو كان بين القوم من هو أفقه أو أقرأ منه ، لأنّ ولايته عامّة ، ولأنّ ابن عمر كان يصلّي خلف الحجّاج . وإن لم يكن بينهم ذو سلطانٍ يقدّم صاحب المنزل ، ويقدّم إمام الحيّ وإن كان غيره أفقه أو أقرأ أو أورع منه ، إن شاء تقدّم وإن شاء قدّم من يريده . لكنّه يستحبّ لصاحب المنزل أن يأذن لمن هو أفضل منه .
واتّفقوا كذلك على أنّ بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، ومن استجمع خصال العلم وقراءة القرآن والورع وكبر السّنّ وغيرها من الفضائل كان أولى بالإمامة .
ولا خلاف في تقديم الأعلم والأقرأ على سائر النّاس ، ولو كان في القوم من هو أفضل منه في الورع والسّنّ وسائر الأوصاف .
وجمهور الفقهاء: ( الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة ) على أنّ الأعلم بأحكام الفقه أولى بالإمامة من الأقرأ ، لحديث: « مروا أبا بكرٍ فليصلّ بالنّاس » وكان ثمّة من هو أقرأ منه ، لا أعلم منه ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « أقرؤكم أبيٍّ » ، ولقول أبي سعيدٍ:"كان أبو بكرٍ أعلمنا"، وهذا آخر الأمرين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيكون المعوّل عليه . ولأنّ الحاجة إلى الفقه أهمّ منها إلى القراءة ، لأنّ القراءة إنّما يحتاج إليها لإقامة ركنٍ واحدٍ ، والفقه يحتاج إليه لجميع الأركان والواجبات والسّنن .
وقال الحنابلة ، وهو قول أبي يوسف من الحنفيّة: إنّ أقرأ النّاس أولى بالإمامة ممّن هو أعلمهم ، لحديث أبي سعيدٍ قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إذا كانوا ثلاثة فليؤمّهم أحدهم ، وأحقّهم بالإمامة أقرؤهم » ولأنّ القراءة ركن لا بدّ منه ، والحاجة إلى العلم إذا عرض عارض مفسد ليمكنه إصلاح صلاته ، وقد يعرض وقد لا يعرض .