16 -أمّا إذا تفرّقت خصال الفضيلة من العلم والقراءة والورع وكبر السّنّ وغيرها في أشخاصٍ فقد اختلفت أقوال الفقهاء . فمنهم من قدّم الأعلم على الأقرأ ، وقالوا: إنّما أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بتقديم القارئ ، لأنّ أصحابه كان أقرؤهم أعلمهم ، فإنّهم كانوا إذا تعلّموا القرآن تعلّموا معه أحكامه ، وهذا قول جمهور الفقهاء . والأصل في أولويّة الإمامة حديث أبي مسعودٍ الأنصاريّ أنّ النّبيّ عليه السلام قال: « يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب اللّه ، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسّنّة ، فإن كانوا في السّنّة سواءً فأقدمهم هجرةً ، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سنًّا » .
17 -وفي ترتيب الأولويّة في الإمامة بعد الاستواء في العلم والقراءة ، قال الحنفيّة والشّافعيّة: يقدّم أورعهم أي الأكثر اتّقاءً للشّبهات ، لقوله عليه الصلاة والسلام: « من صلّى خلف عالمٍ تقيٍّ فكأنّما صلّى خلف نبيٍّ » ولأنّ الهجرة المذكورة بعد القراءة والعلم بالسّنّة نسخ وجوبها بحديث: « لا هجرة بعد الفتح » فجعلوا الورع - وهو هجر المعاصي - مكان تلك الهجرة .
ومثله ما صرّح به المالكيّة حيث قالوا: الأولويّة بعد الأعلم والأقرأ للأكثر عبادةً . ثمّ إن استووا في الورع يقدّم عند الجمهور الأقدم إسلامًا ، فيقدّم شابّ نشأ في الإسلام على شيخٍ أسلم حديثًا . أمّا لو كانوا مسلمين من الأصل ، أو أسلموا معًا فإنّه يقدّم الأكبر سنًّا ، لقوله عليه السلام: « وليؤمّكما أكبركما سنًّا » . ولأنّ الأكبر في السّنّ يكون أخشع قلبًا عادةً ، وفي تقديمه كثرة الجماعة .
18 -فإن استووا في الصّفات والخصال المتقدّمة من العلم والقراءة والورع والسّنّ ، قال الحنفيّة يقدّم الأحسن خلقًا ، لأنّ حسن الخلق من باب الفضيلة ، ومبنى الإمامة على الفضيلة ، فإن كانوا فيه سواءً فأحسنهم وجهًا ، لأنّ رغبة النّاس في الصّلاة خلفه أكثر ، ثمّ الأشرف نسبًا ، ثمّ الأنظف ثوبًا . فإن استووا يقرع بينهم .
وقال المالكيّة: يقدّم بعد الأسنّ الأشرف نسبًا ، ثمّ الأحسن صورةً ، ثمّ الأحسن أخلاقًا ، ثمّ الأحسن ثوبًا .
والشّافعيّة كالمالكيّة في تقديم الأشرف نسبًا ، ثمّ الأنظف ثوبًا وبدنًا ، وحسن صوتٍ ، وطيّب صفةٍ وغيرها ، ثمّ يقرع بينهم . أمّا الحنابلة فقد صرّحوا أنّه إن استووا في القراءة والفقه فأقدمهم هجرةً ، ثمّ أسنّهم ، ثمّ أشرفهم نسبًا ، ثمّ أتقاهم وأورعهم ، فإن استووا في هذا كلّه أقرع بينهم . ولا يقدّم بحسن الوجه عندهم ، لأنّه لا مدخل له في الإمامة ، ولا أثر له فيها . وهذا التّقديم إنّما هو على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الاشتراط ولا الإيجاب ، فلو قدّم المفضول كان جائزًا اتّفاقًا ما دام مستجمعًا شرائط الصّحّة ، لكن مع الكراهة عند الحنابلة . والمقصود بذكر هذه الأوصاف وربط الأولويّة بها هو كثرة الجماعة ، فكلّ من كان أكمل فهو أفضل ، لأنّ رغبة النّاس فيه أكثر .
اختلاف صفة الإمام والمقتدي:
19 -الأصل أنّ الإمام إذا كان أقوى حالًا من المقتدي أو مساويًا له صحّت إمامته اتّفاقًا ، أمّا إذا كان أضعف حالًا ، كأن كان يصلّي نافلةً والمقتدي يصلّي فريضةً ، أو كان الإمام معذورًا والمقتدي سليمًا ، أو كان الإمام غير قادرٍ على القيام مثلًا والمقتدي قادرًا ، فقد اختلفت آراء الفقهاء ، وإجمالها فيما يأتي:
أوّلًا: تجوز إمامة الماسح للغاسل وإمامة المسافر للمقيم اتّفاقًا ، وتجوز إمامة المتيمّم للمتوضّئ عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - ، وقيّد الشّافعيّة هذا الجواز بما إذا لم تجب على الإمام الإعادة .
ثانيًا: جمهور الفقهاء على عدم جواز إمامة المتنفّل للمفترض ، والمفترض للّذي يؤدّي فرضًا آخر ، وعدم إمامة الصّبيّ للبالغ في فرضٍ ، وإمامة المعذور للسّليم ، وإمامة العاري للمكتسي ، وإمامة العاجز عن توفية ركنٍ للقادر عليه ، مع خلافٍ وتفصيلٍ في بعض الفروع ، أمّا إمامة هؤلاء لأمثالهم فجائزة باتّفاق الفقهاء . وللتّفصيل يرجع إلى بحث: ( اقتداء ) .
موقف الإمام:
20 -إذا كان يصلّي مع الإمام اثنان أو أكثر فإنّ الإمام يتقدّمهم في الموقف ، لفعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعمل الأمّة بذلك . وقد روي أنّ « جابرًا وجبّارًا وقف أحدهما عن يمين النّبيّ صلى الله عليه وسلم والآخر عن يساره ، فأخذ بأيديهما حتّى أقامهما خلفه » . ولأنّ الإمام ينبغي أن يكون بحالٍ يمتاز بها عن غيره ، ولا يشتبه على الدّاخل ليمكنه الاقتداء به . ولو قام في وسط الصّفّ أو في ميسرته جاز مع الكراهة لتركه السّنّة . ويرى الحنابلة بطلان صلاة من يقف على يسار الإمام ، إذا لم يكن أحد عن يمينه .
ولو كان مع الإمام رجل واحد أو صبيّ يعقل الصّلاة وقف الإمام عن يساره والمأموم عن يمينه ، لما روي عن ابن عبّاسٍ « أنّه وقف عن يسار النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأداره إلى يمينه » . ويندب في هذه الحالة تأخّر المأموم قليلًا خوفًا من التّقدّم . ولو وقف المأموم عن يساره أو خلفه جاز مع الكراهة إلاّ عند الحنابلة فتبطل على ما سبق .
ولو كان معه امرأة أقامها خلفه ، لقوله عليه السلام: « أخّروهنّ من حيث أخّرهنّ اللّه » . ولو كان معه رجل وامرأة أقام الرّجل عن يمينه والمرأة خلفه ، وإن كان رجلان وامرأة أقام الرّجلين خلفه والمرأة وراءهما .
21-والسّنّة أن تقف المرأة الّتي تؤمّ النّساء وسطهنّ ، لما روي أنّ عائشة وأمّ سلمة أمّتا نساءً فقامتا وسطهنّ وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .