أمّا المالكيّة فقد صرّحوا بعدم جواز إمامتها ولو لمثلها ، في فريضةٍ كانت أو في نافلةٍ كما تقدّم في شروط الإمامة .
22 -ولا يجوز تأخّر الإمام عن المأموم في الموقف عند جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - لحديث: « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به » ومعنى الائتمام الاتّباع ، والمتقدّم غير تابعٍ . وأجاز المالكيّة تأخّره في الموقف إذا أمكن للمأمومين متابعته في الأركان ، لكنّهم صرّحوا بكراهة تقدّم المقتدي على الإمام أو محاذاته له إلاّ لضرورةٍ . والاختيار في التّقدّم والتّأخّر للقائم بالعقب ، وللقاعد بالألية ، وللمضطجع بالجنب .
23 -هذا ، ويكره أن يكون موقف الإمام عاليًا عن موقف المقتدين اتّفاقًا ، إلاّ إذا أراد الإمام تعليم المأمومين ، فالسّنّة أن يقف الإمام في موضعٍ عالٍ عند الشّافعيّة ، لما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثمّ قال: أيّها النّاس: إنّما فعلت هذا لتأتمّوا بي ، ولتعلموا صلاتي » . أمّا إذا أراد الإمام بذلك الكبر فممنوع . ولا بأس عند الحنابلة بالعلوّ اليسير ، وقدّروه بمثل درجة المنبر . وقدّر الحنفيّة العلوّ المكروه بما كان قدر ذراعٍ على المعتمد . ولتفصيل هذه المسائل يراجع مصطلح: ( صلاة الجماعة ) ( واقتداء ) .
من تكره إمامتهم:
24 -إنّ بناء أمر الإمامة على الفضيلة والكمال ، فكلّ من كان أكمل فهو أفضل ، وإن تقدّم المفضول على الفاضل جاز وكره وإذا أذن الفاضل للمفضول لم يكره ، وهذا القدر متّفق عليه بين الفقهاء . وقد سبق بيانه في بحث الأولويّة .
ثمّ قال الحنفيّة: يكره تقديم العبد لأنّه لا يتفرّغ للتّعلّم ، والأعرابيّ وهو من يسكن البادية لغلبة الجهل عليه ، ويكره تقديم الفاسق لأنّه لا يهتمّ بأمر دينه ، والأعمى لأنّه لا يتوقّى النّجاسة ، كما يكره إمامة ولد الزّنى ، والمبتدع بدعةً غير مكفّرةٍ ، كذلك يكره إمامة أمرد وسفيهٍ ومفلوجٍ وأبرص شاع برصه . ولأنّ في تقديم هؤلاء تنفير الجماعة ، لكنّه إن تقدّموا جاز ، لقوله عليه السلام: « صلّوا خلف كلّ برٍّ وفاجرٍ » .
والكراهة في حقّهم لما ذكر من النّقائص ، فلو عدمت بأن كان الأعرابيّ أفضل من الحضريّ ، والعبد من الحرّ ، وولد الزّنى من ولد الرّشدة والأعمى من البصير زالت الكراهة . أمّا الفاسق والمبتدع فلا تخلو إمامتهما عن الكراهة بحالٍ ، حتّى صرّح بعضهم بأنّ كراهة تقديمهما كراهة تحريمٍ .
وقال المالكيّة: كره إمامة مقطوع اليد أو الرّجل والأشلّ والأعرابيّ لغيره وإن كان أقرأ ، وكره إمامة ذي السّلس والقروح للصّحيح ، وإمامة من يكرهه بعض الجماعة ، فإن كرهه الكلّ أو الأكثر ، أو ذو الفضل منهم - وإن قلّوا - فإمامته حرام ، لقوله عليه السلام: « لعن رسول اللّه ثلاثةً: رجل أمّ قومًا وهم له كارهون ... » كما كره أن يجعل إمامًا راتبًا كلّ من الخصيّ أو المأبون أو الأقلف ( غير المختون ) أو ولد الزّنى ، أو مجهول الحال .
وقال الشّافعيّة: يكره إمامة الفاسق والأقلف وإن كان بالغًا ، كما يكره إمامة المبتدع ، ومن يكرهه أكثر القوم لأمرٍ مذمومٍ فيه شرعًا ، والتّمتام والفأفاء ، واللّاحن لحنًا غير مغيّرٍ للمعنى ، لكن الأعمى والبصير سيّان في الإمامة ، لتعارض فضيلتهما ، لأنّ الأعمى لا ينظر ما يشغله فهو أخشع ، والبصير ينظر الخبث فهو أحفظ لتجنّبه . وإمامة الحرّ أولى من العبد ، والسّميع أولى من الأصمّ ، والفحل أولى من الخصيّ والمجبوب ، والقرويّ أولى من البدويّ . وقال الحنابلة: تكره إمامة الأعمى والأصمّ واللّحّان الّذي لا يحيل المعنى ، ومن يصرع ، ومن اختلف في صحّة إمامته ، وكذا إمامة الأقلف وأقطع اليدين أو إحداهما ، أو الرّجلين أو إحداهما ، والفأفاء والتّمتام ، وأن يؤمّ قومًا أكثرهم يكرهه لخللٍ في دينه أو فضله . ولا بأس بإمامة ولد الزّنى واللّقيط والمنفيّ باللّعان والخصيّ والأعرابيّ إذا سلم دينهم وصلحوا لها . هذا ، والكراهة إنّما تكون فيما إذا وجد في القوم غير هؤلاء ، وإلاّ فلا كراهة اتّفاقًا .
ما يفعله الإمام قبل بداية الصّلاة:
25 -إذا أراد الإمام الصّلاة يأذن للمؤذّن أن يقيمها ، فإنّ « بلالًا كان يستأذن النّبيّ صلى الله عليه وسلم للإقامة » ، ويسنّ للإمام أن يقوم للصّلاة حين يقال ( حيّ على الفلاح ) أو حين قول المؤذّن: ( قد قامت الصّلاة ) أو مع الإقامة أو بعدها بقدر الطّاقة على تفصيلٍ عند الفقهاء ، وإذا كان مسافرًا يخبر المأمومين بذلك ليكونوا على علمٍ بحاله ، ويصحّ أن يخبرهم بعدم تمام الصّلاة ليكملوا صلاتهم . كما يسنّ أن يأمر بتسوية الصّفوف فيلتفت عن يمينه وشماله قائلًا: اعتدلوا وسوّوا صفوفكم ، لما روى محمّد بن مسلمٍ قال: « صلّيت إلى جانب أنس بن مالكٍ يومًا فقال: هل تدري لم صنع هذا العود ؟ فقلت: لا واللّه . فقال: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصّلاة أخذه بيمينه فقال: اعتدلوا وسوّوا صفوفكم ، ثمّ أخذه بيساره وقال: اعتدلوا وسوّوا صفوفكم » ، وفي روايةٍ: « اعتدلوا في صفوفكم وتراصّوا ، فإنّي أراكم من وراء ظهري » .
ما يفعله الإمام أثناء الصّلاة:
أ - الجهر أو الإسرار بالقراءة:
26 -يجهر الإمام بالقراءة في الفجر والرّكعتين الأوليين من المغرب والعشاء أداءً وقضاءً ، وكذلك في الجمعة والعيدين والتّراويح والوتر بعدها . ويسرّ في غيرها من الصّلوات . والجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه واجب على الإمام عند الحنفيّة ، وسنّة عند غيرهم . وتفصيله في مصطلح: ( قراءة ) .
ب - تخفيف الصّلاة: