واتّفقوا على أنّ المسجد الجامع يصحّ فيه الاعتكاف ، وهو أولى من غيره بعد المساجد الثّلاثة ، ويجب الاعتكاف فيه إذا نذر الاعتكاف مدّةً تصادفه فيها صلاة الجمعة ، لئلاّ يحتاج إلى الخروج وقت صلاة الجمعة ، إلاّ إذا اشترط الخروج لها عند الشّافعيّة .
ثمّ اختلفوا في المساجد الأخرى الّتي يصحّ فيها الاعتكاف .
فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه لا يصحّ الاعتكاف إلاّ في مسجد جماعةٍ . وعن أبي حنيفة أنّه لا يصحّ الاعتكاف إلاّ في مسجدٍ تقام فيه الصّلوات الخمس ، لأنّ الاعتكاف عبادة انتظار الصّلاة ، فيختصّ بمكانٍ يصلّى فيه ، وصحّحه بعضهم . وقال أبو يوسف ومحمّدٌ: يصحّ في كلّ مسجدٍ وصحّحه السّروجيّ . وعن أبي يوسف أنّه فرّق بين الاعتكاف الواجب والمسنون ، فاشترط للاعتكاف الواجب مسجد الجماعة ، وأمّا النّفل فيجوز في أيّ مسجدٍ كان . ويعني الحنفيّة بمسجد الجماعة ما له إمامٌ ومؤذّنٌ ، أدّيت فيه الصّلوات الخمس أو لا . واشترط الحنابلة لصحّة الاعتكاف في المسجد أن تقام الجماعة في زمن الاعتكاف الّذي هو فيه ، ولا يضرّ عدم إقامتها في الوقت الّذي لا يعتكف فيه ، وخرج من ذلك المرأة والمعذور والصّبيّ ومن هو في قريةٍ لا يصلّي فيها غيره ، لأنّ الممنوع ترك الجماعة الواجبة ، وهي منتفيةٌ هنا . والمذهب عند المالكيّة والشّافعيّة أنّه يصحّ الاعتكاف في أيّ مسجدٍ كان .
ب - مكان اعتكاف المرأة:
15 -اختلفوا في مكان اعتكاف المرأة:
فذهب الجمهور والشّافعيّ في المذهب الجديد إلى أنّها كالرّجل لا يصحّ اعتكافها إلاّ في المسجد ، وعلى هذا فلا يصحّ اعتكافها في مسجد بيتها ، لما ورد عن ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - أنّه سئل عن امرأةٍ جعلت عليها ( أي نذرت ) أن تعتكف في مسجد بيتها ، فقال:"بدعةٌ ، وأبغض الأعمال إلى اللّه البدع". فلا اعتكاف إلاّ في مسجدٍ تقام فيه الصّلاة . ولأنّ مسجد البيت ليس بمسجدٍ حقيقةً ولا حكمًا ، فيجوز تبديله ، ونوم الجنب فيه ، وكذلك لو جاز لفعلته أمّهات المؤمنين - رضي الله عنهن - ولو مرّةً تبيينًا للجواز .
وفي المذهب القديم للشّافعيّ: أنّه يصحّ اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ، لأنّه مكان صلاتها . قال النّوويّ: قد أنكر القاضي أبو الطّيّب وجماعةٌ هذا القديم . وقالوا: لا يجوز في مسجد بيتها قولًا واحدًا وغلّطوا من قال: فيه قولان .
وذهب الحنفيّة إلى جواز اعتكاف المرأة في مسجد بيتها ، لأنّه هو الموضع لصلاتها ، فيتحقّق انتظارها فيه ، ولو اعتكفت في مسجد الجماعة جاز مع الكراهة التّنزيهيّة ، والبيت أفضل من مسجد حيّها ، ومسجد الحيّ أفضل لها من المسجد الأعظم .
وليس للمرأة أن تعتكف في غير موضع صلاتها من بيتها . وإن لم يكن لها في البيت مكانٌ متّخذٌ للصّلاة لا يجوز لها الاعتكاف في بيتها ، وليس لها أن تخرج من بيتها الّذي اعتكفت فيه اعتكافًا واجبًا عليها .
اللّبث في المسجد:
16 -اللّبث في المسجد هو ركن الاعتكاف عند الجميع .
وقد اختلف الفقهاء في مقدار اللّبث المجزئ في الاعتكاف المسنون . فذهب الحنفيّة إلى أنّ أقلّه ساعةٌ من ليلٍ أو نهارٍ عند محمّدٍ ، وهو ظاهر الرّواية عن أبي حنيفة ، لبناء النّفل على المسامحة ، وبه يفتى . وهو المذهب عند الحنابلة . قال في الإنصاف: أقلّه إذا كان تطوّعًا أو نذرًا مطلقًا ما يسمّى به معتكفًا لابثًا . قال في الفروع: ظاهره ولو لحظةً ، والمذهب ما تقدّم . والمستحبّ عندهم ألاّ ينقص الاعتكاف عن يومٍ وليلةٍ ، خروجًا من خلاف من يقول: أقلّه ذلك . واختلف المالكيّة في أقلّ المكث في المسجد . فذهب بعضهم إلى أنّه يومٌ وليلةٌ ، سوى وقت خروجه لما يتعيّن عليه الخروج لأجله ، من البول والغائط والوضوء وغسل الجنابة ، والمقصود بليلة اليوم: اللّيلة الّتي قبله . وذهب آخرون إلى أنّ أقلّه يومٌ فما فوقه إذا كان دخوله في الاعتكاف مع الفجر ، باعتبار أنّ أوّل اليوم الفجر .
وعند الشّافعيّة لا يقدّر اللّبث بزمانٍ ، بل اشترطوا في اللّبث أن يكون قدرًا يسمّى عكوفًا وإقامةً ، ولو بلا سكونٍ بحيث يكون زمنه فوق زمن الطّمأنينة في الرّكوع ونحوه ، فيكفي التّردّد فيه لا المرور بلا لبثٍ . ويندب عندهم أن يكون يومًا ، لأنّه لم يرد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اعتكف أقلّ من يومٍ ، ولا أحدٌ من الصّحابة .
الصّوم في الاعتكاف:
17 -اختلف العلماء في الصّوم في الاعتكاف ، فمنهم من رآه واجبًا ، ومنهم من استحبّه ، إلاّ إن نذره مع الاعتكاف فيجب ، وفيما يلي تفصيل حكم الصّوم في الاعتكاف غير المنذور فيه الصّوم:
أ - القول الأوّل بوجوب الصّوم مع الاعتكاف: