فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 2053

لا يصحّ الاعتكاف إلاّ بصومٍ ، وبه قال أبو حنيفة في رواية الحسن عنه ، ومن مشايخ الحنفيّة من اعتمد هذه الرّواية ، وهو مذهب المالكيّة ، وبه قال ابن عمر وابن عبّاسٍ وعائشة وعروة بن الزّبير والزّهريّ والأوزاعيّ والثّوريّ ، وهو قولٌ قديمٌ محكيٌّ عن الشّافعيّ ، قالوا: لا يصحّ الاعتكاف إلاّ بصومٍ . قال القاضي عياضٌ: وهو قول جمهور العلماء . والصّوم عند المالكيّة ركنٌ للاعتكاف كالنّيّة وغيرها . واستدلّوا بحديث عائشة رضي الله عنها عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « لا اعتكاف إلاّ بصيامٍ » وبأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « اعتكف هو وأصحابه رضي الله عنهم صيامًا في رمضان » ، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن عمر أنّه « سأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن اعتكافٍ عليه فأمره أن يعتكف ويصوم » والّذي ذكر عن أبي حنيفة في رواية الحسن عنه في وجوب الصّوم مطلقًا مع الاعتكاف لم يكن هو المعتمد في المذهب كما في الدّرّ المختار وحاشية ابن عابدين والفتاوى الهنديّة وغيرها ، فإنّهم قالوا: إنّ الصّوم ليس بشرطٍ في الاعتكاف المندوب ، كما في ظاهر الرّواية عن أبي حنيفة ، وهو قول أبي يوسف ومحمّدٍ .

ب - القول الثّاني: أفضليّة الصّوم مع الاعتكاف .

ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشترط الصّوم للاعتكاف مطلقًا ، سواءٌ أكان واجبًا أم مندوبًا ، فالصّوم ليس شرطًا للاعتكاف عندهم ولا ركنًا فيه . وبه قال الحسن البصريّ وأبو ثورٍ وداود وابن المنذر ، وهو مرويٌّ عن عليٍّ وابن مسعودٍ . إلاّ أنّهم صرّحوا بأنّ الاعتكاف مع الصّوم أفضل من الاعتكاف بدونه ، فلو اعتكف صائمًا ثمّ أفطر عامدًا بغير عذرٍ لا يبطل اعتكافه ، ولا شيء عليه ، لصحّة اعتكافه بغير صومٍ ، واحتجّوا لما ذهبوا إليه بحديث عائشة: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من شوّالٍ » رواه مسلمٌ ، وهذا يتناول اعتكاف يوم العيد ، ويلزم من صحّته أنّ الصّوم ليس بشرطٍ ، واحتجّوا أيضًا بحديث « عمر رضي الله عنه أنّه نذر أن يعتكف ليلةً ، فقال له النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك » .

نيّة الصّوم للاعتكاف المنذور:

18 -اختلف الحنفيّة والمالكيّة في الصّوم الواجب مع الاعتكاف ، فذهب الحنفيّة إلى أنّ الاعتكاف الواجب لا يصحّ إلاّ بصومٍ واجبٍ ، ولا يصحّ مع صوم التّطوّع ، فلو نذر اعتكاف شهر رمضان لزمه وأجزأه صوم رمضان عن صوم الاعتكاف ، فإن لم يعتكفه قضى شهرًا متتابعًا غيره ، لأنّه التزم الاعتكاف في شهرٍ بعينه . وقد فاته ، فيقضيه متتابعًا بصومٍ مقصودٍ ، فلم يجز في رمضان آخر ، ولا في واجبٍ آخر ، سوى قضاء رمضان الأوّل ، لأنّه خلفٌ عنه .

وعلى هذا فلو صام تطوّعًا ، ثمّ نذر اعتكاف ذلك اليوم لم يصحّ الاعتكاف ، لعدم استيعاب الاعتكاف للنّهار . مثاله: لو أصبح صائمًا متطوّعًا ، أو غير ناوٍ للصّوم ، ثمّ قال: للّه عليّ أن اعتكف هذا اليوم ، لا يصحّ ، وإن كان في وقتٍ تصحّ منه نيّة الصّوم ، لعدم استيعاب النّهار بالاعتكاف ، وعدم استيعابه بالصّوم الواجب . وعند أبي يوسف أقلّه أكثر النّهار ، فإن كان قاله قبل نصف النّهار لزمه ، فإن لم يعتكفه قضاه .

وذهب المالكيّة إلى أنّ الاعتكاف بقسميه الواجب والمسنون يصحّ بأيّ صومٍ كان سواءٌ قيّد بزمنٍ كرمضان ، أو سببٍ ككفّارةٍ ونذرٍ ، أو أطلق كتطوّعٍ ، فلا يصحّ الاعتكاف من مفطرٍ ، ولو لعذرٍ ، فمن لا يستطيع الصّوم لا يصحّ اعتكافه .

نذر الاعتكاف:

19 -إذا نذر الاعتكاف لزمه أداؤه ، سواءٌ أكان منجّزًا أم معلّقًا ، وينقسم إلى متتابعٍ وغير متتابعٍ ، أو نذر مدّةً معيّنةً .

أ - النّذر المتتابع:

20 -وذلك كأن ينذر عشرة أيّامٍ متتابعةً ، أو شهرًا متتابعًا مثلًا ، فإنّه يلزمه متتابعًا في قولهم جميعًا ، فلو أفسده وجب استثناؤه بفوات التّتابع .

ب - النّذر المطلق والمدّة المعيّنة:

21 -وهو أن ينذر اعتكاف يومٍ أو أيّامٍ غير متتابعةٍ ، فإن نوى أيّامًا غير متتابعةٍ ، فإنّها تلزمه متتابعةٌ عند الحنفيّة ، وعلّله في المبسوط بأنّ إيجاب العبد معتبرٌ بإيجاب اللّه تعالى ، وما أوجب اللّه تعالى متتابعًا إذا أفطر فيه يومًا لزمه الاستقبال ، كصوم الظّهار والقتل . والإطلاق في الاعتكاف كالتّصريح بالتّتابع ، بخلاف الإطلاق في نذر الصّوم ، والفرق بينهما أنّ الاعتكاف يدوم باللّيل والنّهار ، فكان متّصل الأجزاء ، وما كان متّصل الأجزاء لا يجوز تفريقه إلاّ بالتّنصيص عليه ، بخلاف الصّوم ، فإنّه لا يوجد ليلًا ، فكان متفرّقًا ، وما كان متفرّقًا في نفسه لا يجب الوصل فيه إلاّ بالتّنصيص . وكذلك عند المالكيّة إلاّ إذا نذرها متفرّقةً فتجب متفرّقةً ، ولا يلزمه التّتابع .

أمّا الشّافعيّة فإنّ النّذر المطلق عندهم لا يلزم فيه التّتابع ، فيجوز أداؤه مفرّقًا .

وعلى هذا لو خرج من معتكفه خلال أيّام النّذر المطلق ، إن لم يعزم على العود احتاج إلى استئناف نيّة الاعتكاف ، سواءٌ أخرج لتبرّزٍ أم لغيره ، لأنّ ما مضى عبادةٌ تامّةٌ ، وهو يريد اعتكافًا جديدًا ، فإن عزم على العود كانت هذه العزيمة قائمةً مقام النّيّة ، وهو الصّواب كما في المجموع . أمّا إذا نوى مدّةً معيّنةً فكذلك عند الحنفيّة والمالكيّة ، وعند الشّافعيّة لا يلزمه التّتابع ، لكن إن خرج لغير قضاء الحاجة احتاج إلى استئناف النّيّة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت