وعند الحنابلة أنّ تعيين مدّةٍ للاعتكاف كشهرٍ بعينه يلزمه التّتابع ، وإن نذر شهرًا مطلقًا لزمه ، ولهم قولان في التّتابع وعدمه . أحدهما كالحنفيّة ، والثّاني كالشّافعيّة اختارها الآجرّيّ وصحّحها ابن شهابٍ وغيره . ونصّ صاحب كشّاف القناع على وجوب التّتابع . والتّتابع عند الشّافعيّة في النّذر المطلق أفضل من التّفريق .
وعند الشّافعيّة والحنابلة: لو نذر يومًا لم يجز فيه التّفريق . ولو نذر يومًا من وسط النّهار لزمه الاعتكاف من ذلك الوقت إلى مثله ليتحقّق مضيّ يومٍ من ذلك الوقت . وأمّا اللّيل فلا يلزمه بنذر اعتكاف النّهار لأنّه ليس من اليوم عندهما . وقال الشّافعيّة: يدخل اللّيل مع اليوم بالنّيّة . وإذا نذر اعتكاف شهرٍ بعينه وأطلق لزمه ليلًا ونهارًا ، تامًّا كان الشّهر أو ناقصًا ويجزئه النّاقص بلا خلافٍ عند الشّافعيّة .
زمن دخول الاعتكاف الواجب:
22 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يدخل معتكفه إذا نوى يومًا قبل الفجر ، وعند الشّافعيّة والحنابلة إذا نوى ليلًا قبل غروب الشّمس ، لأنّ الحنفيّة والمالكيّة لا يصحّ عندهم نذر اللّيل وحده ، لأنّه لا صيام فيه ، لكن لو نذر ليلة أيّ ليلةٍ كانت عند المالكيّة لزمته مع نهارها ، لأنّ أقلّه يومٌ وليلةٌ . واللّيل تابعٌ للنّهار إذا نذر أيّامًا متتابعةً ، كمن نذر اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان .
نذر الصّوم مع الاعتكاف المنذور:
23 -سبق أنّ الحنفيّة والمالكيّة لا يصحّ عندهم الاعتكاف الواجب والمسنون إلاّ بصومٍ واختلفوا في المندوب .
أمّا نذر الصّوم مع الاعتكاف ففيه أوجهٌ عند الشّافعيّة والحنابلة:
أ - اتّفقوا على أنّه إذا نذر صومًا واعتكافًا لا يلزمه الجمع بينهما .
ب - اتّفقوا على أنّه إذا نذر أن يعتكف صائمًا لزماه .
ج - واختلفوا فيما إذا نذر أن يصوم معتكفًا . فالصّحيح عند الشّافعيّة والحنابلة أنّهما يلزمانه . وفرّقوا بين الصّورة الثّالثة والثّانية بأنّ الصّوم يصحّ وصفًا للاعتكاف ، والاعتكاف لا يصحّ وصفًا للصّوم .
نذر الصّلاة في الاعتكاف:
24 -ذهب الشّافعيّة إلى أنّ من نذر أن يعتكف مصلّيًا فالصّلاة لا تلزمه .
وعند الحنابلة يلزمه الجمع بينهما ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « ليس على المعتكف صيامٌ إلاّ أن يجعله على نفسه » . والاستثناء من النّفي إثباتٌ ، وتقاس الصّلاة على الصّوم ، ولأنّ كلاًّ من الصّلاة والصّوم صفةٌ مقصودةٌ في الاعتكاف فلزمت بالنّذر ، لكن لا يلزمه أن يصلّي جميع الزّمان ، ويكفيه ركعةٌ أو ركعتان بناءً على ما لو نذر الصّلاة وأطلق . هذا ولم أر للحنفيّة والمالكيّة نصًّا في هذه المسألة والظّاهر عدم الوجوب . واللّه أعلم .
نذر الاعتكاف في مكان معيّنٍ:
25 -اتّفق الفقهاء على أنّه إذا نذر الاعتكاف في أحد المساجد الثّلاثة - المسجد الحرام ، ومسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، والمسجد الأقصى - لزمه النّذر وعليه الوفاء ، ولا يجزئه الاعتكاف في غيرها من المساجد ، لفضل العبادة فيها على غيرها ، فتتعيّن بالتّعيين . وأفضلها المسجد الحرام ، ثمّ مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، ثمّ المسجد الأقصى . وإلحاق غير الثّلاثة بها ممتنعٌ لثبوت فضلها على غيرها بالنّصّ ، قال عليه الصلاة والسلام: « صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه إلاّ المسجد الحرام ، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاةٍ فيما سواه » . وورد « أنّ الصّلاة بالمسجد الأقصى بخمسمائةٍ صلاةٍ » .
فإذا عيّن الأفضل في نذره لم يجزئه الاعتكاف فيما دونه ، لعدم مساواته له . فإن عيّن بنذره المسجد الحرام لا يجزئه في مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ولا المسجد الأقصى . وإن عيّن مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجزئه المسجد الأقصى ، والعكس صحيحٌ ، فإن عيّن المسجد الأقصى جاز في مسجد النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، وفي المسجد الحرام ، وإن عيّن مسجد النّبيّ جاز في المسجد الحرام . وأمّا إذا نذر الاعتكاف في غير المساجد الثّلاثة فهل يلزم ؟ ذهب المالكيّة وهو المذهب عند الشّافعيّة والصّحيح عند الحنابلة إلى أنّه لا يلزمه ، وله فعله في غيره .
وأمّا إذا كان المسجد يحتاج إلى شدّ الرّحال إليه فيخيّر عند الحنابلة ، وهو قولٌ للمالكيّة بين الذّهاب وعدمه عند القاضي أبي يعلى وغيره ، واختار بعضهم الإباحة في السّفر القصير ، ولم يجوّزه ابن عقيلٍ والشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة ، وكذلك يخيّر على الصّحيح من المذهب إن كان لا يحتاج إلى شدّ رحلٍ بين الذّهاب وغيره . لكن قال في الواضح: الوفاء أفضل ، قال في الفروع: وهذا أظهر .
الاشتراط في الاعتكاف:
26 -ذهب الجمهور إلى جواز الشّرط وصحّته في الاعتكاف الواجب .
وذهب المالكيّة وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة: إلى إلغاء الشّرط .