فهرس الكتاب

الصفحة 424 من 2053

إلاّ أنّ الجمهور اختلفوا فيما يصحّ أن يدخل تحت الشّرط أو لا يدخل . فقال الحنفيّة: لو اشترط وقت النّذر أن يخرج لعيادة مريضٍ وصلاة جنازةٍ وحضور مجلس علمٍ جاز ذلك . وهذا على قول الإمام أبي حنيفة ، أمّا على قول الصّاحبين فالأمر أوسع . أمّا المالكيّة فقد قالوا في المعتمد: لو اشترط المعتكف لنفسه سقوط القضاء عنه - على فرض حصول عذرٍ أو مبطلٍ - لا ينفعه اشتراط سقوط القضاء ، وشرطه لغوٌ ، ويجب عليه القضاء إن حصل موجبه ، واعتكافه صحيحٌ . ولهم قولٌ آخر بأنّه لا ينعقد ، وقولٌ ثالثٌ بالتّفصيل بين الاشتراطات قبل الدّخول في الاعتكاف فلا ينعقد الاعتكاف ، أو بعد الدّخول فيلغو الشّرط . وقال الحنابلة وهو الأظهر عند الشّافعيّة: إنّ الاعتكاف لزم بالتزامه فيجب بحسب ما التزمه . فإذا اشترط المعتكف الخروج لعارضٍ مباحٍ مقصودٍ غير منافٍ للاعتكاف صحّ الشّرط . فإن اشترطه لخاصٍّ من الأغراض ، كعيادة المرضى خرج له دون غيره ، وإن كان غيره أهمّ منه . وإن اشترطه لأمرٍ عامٍّ كشغلٍ يعرض له خرج لكلّ مهمٍّ دينيٍّ كالجمعة والجماعة ، أو دنيويٍّ مباحٍ ، كاقتضاء الغريم ، فليس له الخروج لأجل الحرام . وخرج بقوله"مقصودٍ"ما لو شرطه ، أو لغير مقصودٍ كنزهةٍ أو فرجةٍ ، كإتيان أهله ، فإذا اشترط الخروج لشيءٍ من ذلك فإنّه لا ينعقد نذره . وقال الحنابلة: لو اشترط الخروج للبيع والشّراء أو الإجارة ، أو التّكسّب بالصّناعة في المسجد لم يصحّ الشّرط بلا خلافٍ . ولو قال: متى مرضت أو عرض لي عارضٌ خرجت فله شرطه على الصّحيح من المذهب . ومحلّ ذلك في الاعتكاف المتتابع عند الشّافعيّة ، ولا يلزمه تدارك ما فاته ، فكأنّه قال: نذرت هذا الشّهر إلاّ كذا . فيكون المنذور شهرًا ، والمشروط مستثنًى منه . أمّا عند الحنابلة فإنّ فائدة الشّرط عندهم سقوط القضاء في المدّة المعيّنة . أمّا لو نذر شهرًا متتابعًا ، فلا يجوز الخروج منه إلاّ لمرضٍ ، وعليه قضاء زمن المرض ، لإمكان حمل شرطه هنا على نفي التّتابع فقط ، فنزّل على الأقلّ ، ويكون الشّرط قد أفاد هنا البناء مع سقوط القضاء .

ما يفسد الاعتكاف:

يفسد الاعتكاف ما يلي:

الأوّل - الجماع ودواعيه:

27 -اتّفق الفقهاء على أنّ الجماع في الاعتكاف حرامٌ ومبطلٌ له ، ليلًا كان أو نهارًا ، إن كان عامدًا . وكذا إن فعله ناسيًا لاعتكافه عند الجمهور ، لقوله تعالى: { ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد } .

وذهب الشّافعيّة إلى أنّ حرمة الجماع وإفساده . للاعتكاف لا يكون إلاّ من عالمٍ بتحريمه ذاكرٍ للاعتكاف ، سواءٌ أجامع في المسجد أم خارجه عند خروجه لقضاء الحاجة أو نحوها ، لمنافاته العبادة البدنيّة . والبطلان إنّما هو بالنّسبة للمستقبل ، أمّا ما مضى فإنّه لا يبطل في الجملة ، على خلافٍ وتفصيلٍ يعرف في كتب الفقه .

وأمّا دواعي الجماع كاللّمس والقبلة ، فإنّها تفسد الاعتكاف عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو الأظهر للشّافعيّة إذا أنزل ، فإن لم ينزل لم يفسد اعتكافه ، والقولان الآخران للشّافعيّة أنّه يبطل مطلقًا ، وقيل: لا يبطل . قال المالكيّة: إنّه إذا قبّل وقصد اللّذّة ، أو لمس ، أو باشر بقصدها ، أو وجدها بطل اعتكافه ، واستأنفه من أوّله ، فلو قبّل صغيرةً لا تشتهى ، أو قبّل زوجته لوداعٍ أو رحمةٍ ، ولم يقصد لذّةً ولا وجدها لم يبطل . ثمّ إنّ اشتراط الشّهوة في القبلة إذا كانت في غير الفم ، وأمّا إذا كانت فيه فلا تشترط الشّهوة على الظّاهر ، لأنّه يبطله من مقدّمات الوطء ما يبطل الوضوء .

وقد نصّوا على تحريم الوطء في المسجد مطلقًا لكرامته ، ووطء المعتكفة مفسدٌ لاعتكافها . وذهب الجمهور إلى أنّ الجماع المفسد للاعتكاف المنذور المتتابع من المعتكف الذّاكر له العالم بتحريمه لا تلزمه الكفّارة . قال ابن المنذر: أكثر أهل العلم على أنّه لا كفّارة عليه ، وهو قول أهل المدينة والشّام والعراق .

قال الماورديّ هو قول جميع الفقهاء إلاّ الحسن البصريّ والزّهريّ ، فقالا: عليه كفّارة الواطئ في صوم رمضان . وعن الحسن روايةٌ أخرى هي أنّه يعتق رقبةً ، فإن عجز أهدى بدنةً ، فإن عجز تصدّق بعشرين صاعًا من تمرٍ . وقال القاضي أبو يعلى: هي كفّارة الظّهار ، وقال أبو بكرٍ: هي كفّارة يمينٍ .

الثّاني - الخروج من المسجد:

28 -اتّفق الفقهاء على أنّ الخروج من المسجد للرّجل والمرأة ( وكذلك خروج المرأة من مسجد بيتها عند الحنفيّة ) إذا كان لغير حاجةٍ فإنّه يفسد الاعتكاف الواجب ، وألحق المالكيّة وأبو حنيفة - في رواية الحسن عنه - بالواجب الاعتكاف المندوب أيضًا ، سواءٌ أكان الخروج يسيرًا أم كثيرًا . أمّا إذا كان الخروج لحاجةٍ فلا يبطل الاعتكاف في قولهم جميعًا إلاّ أنّهم اختلفوا في الحاجة الّتي لا تقطع الاعتكاف ولا تفسده على النّحو التّالي:

أ - الخروج لقضاء الحاجة والوضوء والغسل الواجب:

29 -اتّفق الفقهاء على أنّه لا يضرّ الخروج لقضاء الحاجة والغسل الّذي وجب ممّا لا يفسد الاعتكاف . لكن إن طال مكثه بعد ذلك فسد اعتكافه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت