قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول ، لأنّ هذا ممّا لا بدّ منه ، ولا يمكن فعله في المسجد ، فلو بطل الاعتكاف بخروجه له لم يصحّ لأحدٍ الاعتكاف ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعتكف ، وقد علمنا أنّه كان يخرج لحاجته . وروت عائشة أنّ « النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلاّ لحاجةٍ إذا كان معتكفًا » وله الغسل والوضوء والاغتسال في المسجد إذا لم يلوّث المسجد عند الحنفيّة والحنابلة . وعند الشّافعيّة إن أمكنه الوضوء في المسجد لا يجوز له الخروج في الأصحّ ، والثّاني يجوز . وذهب المالكيّة إلى كراهة دخول منزل أهله وبه أهله - أي زوجته - إذا خرج لقضاء الحاجة ، لئلاّ يطرأ عليه منهما ما يفسد اعتكافه .
أمّا إذا كان له منزلان فيلزمه أقربهما عند الشّافعيّة والحنابلة ، واختلف الحنفيّة في ذلك . وإذا كانت هناك ميضأةٌ يحتشم منها لا يكلّف التّطهّر منها ، ولا يكلّف الطّهارة في بيت صديقه ، لما في ذلك من خرم المروءة ، وتزيد دار الصّدّيق بالمنّة بها . أمّا إذا كان لا يحتشم من الميضأة فيكلّفها . وألحقوا بالخروج لما تقدّم الخروج للقيء وإزالة النّجاسة ، فلا يفسد الاعتكاف أيضًا في قولهم جميعًا . ولا يكلّف الّذي خرج لحاجةٍ الإسراع ، بل له المشي على عادته .
ب - الخروج للأكل والشّرب:
30 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى أنّ الخروج للأكل والشّرب يفسد اعتكافه إذا كان هناك من يأتيه به لعدم الضّرورة إلى الخروج ، أمّا إذا لم يجد من يأتيه به فله الخروج ، لأنّه خروجٌ لما لا بدّ منه .
وذهب الشّافعيّة والقاضي من الحنابلة إلى أنّه يجوز له الخروج للأكل ، لأنّ الأكل في المسجد يستحيا منه . وكذا للشّرب إذا لم يكن في المسجد ماءٌ . وخصّ الشّافعيّة جواز الخروج للأكل إذا كان اعتكافه في مسجدٍ مطروقٍ ، أمّا إذا كان المسجد مهجورًا فلا يحقّ له الخروج .
ت - الخروج لغسل الجمعة والعيد:
31 -ذهب المالكيّة إلى أنّ للمعتكف الخروج لغسل الجمعة والعيد ولحرٍّ أصابه فلا يفسد الاعتكاف خلافًا للجمهور . وصرّح الشّافعيّة والحنابلة بأنّه لا يجوز الخروج لغسل الجمعة والعيد ، لأنّه نفلٌ وليس بواجبٍ وليس من باب الضّرورة . فإن اشترط ذلك جاز .
ث - الخروج لصلاة الجمعة:
32 -من وجبت عليه الجمعة ، وكان اعتكافه متتابعًا ، واعتكف في مسجدٍ لا تقام فيه الجمعة فهو آثمٌ ، ويجب عليه الخروج لصلاة الجمعة ، لأنّها فرضٌ . فإذا خرج للجمعة فقد ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّ خروجه للجمعة لا يفسد اعتكافه ، لأنّه خروجٌ لما لا بدّ منه ، كالخروج لقضاء الحاجة . وبه قال سعيد بن جبيرٍ والحسن البصريّ والنّخعيّ وأحمد وعبد الملك بن الماجشون وابن المنذر . وذهب المالكيّة في المشهور عندهم والشّافعيّة إلى أنّ خروج المعتكف لصلاة الجمعة يفسد اعتكافه وعليه الاستئناف ، لأنّه يمكنه الاحتراز من الخروج ، بأن يعتكف في المسجد الجامع ، فإذا لم يفعل وخرج بطل اعتكافه ، واستثنى الشّافعيّة ما لو شرط الخروج في اعتكافه لصلاة الجمعة ، فإنّ شرطه يصحّ ، ولا يبطل اعتكافه بخروجه . وذهب الحنفيّة إلى أنّ الخروج لصلاة الجمعة يكون وقت الزّوال ، ومن بعد مسجد اعتكافه خرج في وقتٍ يدركها . أمّا الحنابلة فإنّهم قالوا بجواز التّبكير إليها . واتّفقوا على أنّ المستحبّ بعد صلاة الجمعة التّعجيل بالرّجوع إلى مكان الاعتكاف . لكن لا يجب عليه التّعجيل لأنّه محلٌّ للاعتكاف ، وكره تنزيهًا المكث بعد صلاة الجمعة لمخالفة ما التزمه بلا ضرورةٍ .
ج -الخروج لعيادة المرضى وصلاة الجنازة:
33 اتّفق الفقهاء على عدم جواز الخروج لعيادة المريض وصلاة الجنازة لعدم الضّرورة إلى الخروج ، إلاّ إذا اشترط الخروج لهما عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
ومحلّ ذلك ما إذا خرج لقصد العيادة وصلاة الجنازة . أمّا إذا خرج لقضاء الحاجة ثمّ عرج على مريضٍ لعيادته ، أو لصلاة الجنازة ، فإنّه يجوز بشرطٍ ألاّ يطول مكثه عند المريض ، أو بعد صلاة الجنازة عند الجمهور ، بأن لا يقف عند المريض إلاّ بقدر السّلام ، لقول عائشة رضي الله عنها: « إن كنت أدخل البيت للحاجة ، والمريض فيه فما أسأل عنه إلاّ وأنا مارّةٌ » . وفي سنن أبي داود مرفوعًا عنها: « أنّه عليه الصلاة والسلام كان يمرّ بالمريض ، وهو معتكفٌ ، فيمرّ كما هو ولا يعرّج يسأل عنه » .
فإن طال وقوفه عرفًا ، أو عدل عن طريقه وإن قلّ لم يجز ، وعند أبي يوسف ومحمّدٍ لا ينتقض الاعتكاف إذا لم يكن أكثر من نصف النّهار . أمّا المالكيّة فإنّهم مع الجمهور في فساد الاعتكاف لخروج عيادة المريض وصلاة الجنازة ، إلاّ أنّهم أوجبوا الخروج لعيادة أحد الأبوين المريضين أو كليهما ، وذلك لبرّهما فإنّه آكد من الاعتكاف المنذور ، ويبطل اعتكافه به ويقضيه .
ح - الخروج في حالة النّسيان:
34 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الخروج من المسجد عمدًا أو سهوًا يبطل الاعتكاف . وعلّلوا ذلك بأنّ حالة الاعتكاف مذكّرةٌ ، ووقوع ذلك نادرٌ ، وإنّما يعتبر العذر فيما يغلب وقوعه . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى عدم البطلان إذا خرج ناسيًا ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « عفي لأمّتي عن الخطأ والنّسيان وما استكرهوا عليه » .
خ - الخروج لأداء الشّهادة:
35 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ الخروج لأجل الشّهادة مفسدٌ للاعتكاف .