فهرس الكتاب

الصفحة 426 من 2053

وصرّح المالكيّة بأنّ من وجبت عليه شهادةٌ ، بألاّ يكون هناك غيره ، أو لا يتمّ النّصاب إلاّ به ، لا يخرج من المسجد لأدائها ، بل يجب أن يؤدّيها في المسجد إمّا بحضور القاضي ، أو تنقل عنه . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يلزمه الخروج لأداء الشّهادة متى تعيّنت عليه ويأثم بعدم الخروج ، وكذلك التّحمّل للشّهادة إذا تعيّن ، فيجوز له الخروج ولا يبطل اعتكافه بذلك الخروج ، لأنّه خروجٌ واجبٌ على الأصحّ عند الشّافعيّة ، أمّا إذا لم تتعيّن عليه ، فيبطل اعتكافه بالخروج .

د - الخروج للمرض:

المرض على قسمين:

36-أ - المرض اليسير الّذي لا تشقّ معه الإقامة في المسجد كصداعٍ وحمّى خفيفةٍ وغيرهما لا يجوز معه الخروج من المسجد إذا كان اعتكافه منذورًا متتابعًا ، فإن خرج فسد اعتكافه لأنّه غير مضطرٍّ إليه .

37 -ب- أمّا المرض الشّديد الّذي يتعذّر معه البقاء في المسجد ، أو لا يمكن البقاء معه في المسجد ، بأن يحتاج إلى خدمةٍ أو فراشٍ أو مراجعة طبيبٍ ، فقد ذهب الحنفيّة إلى أنّ خروجه مفسدٌ لاعتكافه ، ففي الفتاوى الهنديّة: إذا خرج ساعةً بعذر المرض فسد اعتكافه . هكذا في الظّهيريّة . علمًا بأنّ مذهب أبي يوسف ومحمّدٍ اعتبار نصف النّهار كما تقدّم . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يبطل ولا ينقطع به التّتابع ، ويبني على ما مضى إذا شفي ، وهو الأصحّ عند الشّافعيّة . وكذلك إذا كان المرض ممّا يتلوّث به المسجد كالقيء ونحوه فإنّه لا ينقطع به التّتابع .

أمّا الخروج حالة الإغماء فإنّه لا يقطع الاعتكاف في قولهم جميعًا ، لأنّه لم يخرج باختياره . قال الكاسانيّ: وإن أغمي عليه أيّامًا ، أو أصابه لممٌ ( جنونٌ ) فسد اعتكافه ، وعليه إذا برأ أن يستقبل ، لأنّه لزمه متتابعًا . وعند الشّافعيّة أنّ المرض والإغماء يحسبان من الاعتكاف . وفي معنى المرض هذا ، الخوف من لصٍّ أو حريقٍ عند الشّافعيّة .

ذ - الخروج لانهدام المسجد:

38 -إذا انهدم المسجد فخرج منه ليقيم اعتكافه في مسجدٍ آخر صحّ ذلك عند الحنفيّة استحسانًا ، وكذلك عند غيرهم .

ر - الخروج حالة الإكراه:

39 -اتّفق الفقهاء على أنّ الخروج بسبب الإكراه لحكومةٍ لا يفسد الاعتكاف قبل تمام الاعتكاف . إلاّ أنّ الحنفيّة أطلقوا القول بأنّ الإكراه لا يفسد الاعتكاف إذا دخل المعتكف مسجدًا آخر من ساعته . وهذا استحبابٌ منهم ، أمّا إذا لم يدخل مسجدًا آخر ، فيبقى الحكم على أصل القياس وهو البطلان .

ز - خروج المعتكف بغير عذرٍ:

40 -تقدّم أنّ خروج المعتكف إن كان بعذرٍ طبيعيٍّ أو شرعيٍّ جاز له الخروج على خلافٍ في ذلك . أمّا إذا خرج المعتكف بدون عذرٍ فسد اعتكافه - حسب اعتبار الفقهاء للعذر وعدمه - ولو كان زمن الخروج يسيرًا ، إلاّ عند أبي يوسف ومحمّدٍ من الحنفيّة ، فإنّهما قيّدا زمن المفسد بأكثر من نصف النّهار .

س - حدّ الخروج من المسجد:

41 -حدّ الخروج من المسجد أن يخرج بجميع جسده ، فإن خرج ببعضه لم يضرّ ، لقول عائشة رضي الله عنها: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يدني إليّ رأسه وأنا في حجرتي ، فأرجّل رأسه وأنا حائضٌ » .

ش - ما يعتبر من المسجد وما لا يعتبر:

42 -اتّفق الفقهاء على أنّ المراد بالمسجد الّذي يصحّ فيه الاعتكاف ، ما كان بناءً معدًّا للصّلاة فيه . أمّا رحبة المسجد ، وهي ساحته الّتي زيدت بالقرب من المسجد لتوسعته ، وكانت محجّرًا عليها ، فالّذي يفهم من كلام الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة في الصّحيح من المذهب أنّها ليست من المسجد ، ومقابل الصّحيح عندهم أنّها من المسجد ، وجمع أبو يعلى بين الرّوايتين بأنّ الرّحبة المحوطة وعليها بابٌ هي من المسجد . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ رحبة المسجد من المسجد ، فلو اعتكف فيها صحّ اعتكافه ، وأمّا سطح المسجد فقد قال ابن قدامة: يجوز للمعتكف صعود سطح المسجد ، ولا نعلم فيه خلافًا .

أمّا المنارة فإن كانت في المسجد أو بابها فيه فهي من المسجد عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة . وإن كان بابها خارج المسجد أو في رحبته فهي منه ، ويصحّ فيها الاعتكاف عند الشّافعيّة . وإن كان بابها خارج المسجد فيجوز أذان المعتكف فيها ، سواءٌ أكان مؤذّنًا أم غيره عند الحنفيّة ، وأمّا عند الشّافعيّة فقد فرّقوا بين المؤذّن الرّاتب وغيره ، فيجوز للرّاتب الأذان فيها وهو معتكفٌ دون غيره ، قال النّوويّ: وهو الأصحّ .

الثّالث من المفسدات - الجنون:

43 -إذا طرأ على المعتكف الجنون ، وكان زمنه قليلًا فإنّه لا يفسد الاعتكاف في قول الفقهاء جميعًا . أمّا إذا طال الجنون فالجمهور على أنّه لا يقطع الاعتكاف ، ومتى أفاق بنى . وذهب الحنفيّة إلى أنّ القياس سقوط القضاء قياسًا على سقوط قضاء الصّوم إذا جنّ ، إلاّ أنّ الاستحسان أنّه يقضي إذا طال جنونه سنةً فأكثر ، وجه الاستحسان أنّ سقوط القضاء في صوم رمضان إنّما كان لدفع الحرج ، لأنّ الجنون إذا طال قلّما يزول ، فيتكرّر عليه صوم رمضان فيحرج في قضائه ، وهذا المعنى لا يتحقّق في الاعتكاف .

واختلف الحنابلة فيه ، هل يبني أو يبتدئ ؟ بناءً على خلافهم في بطلان الصّوم .

الرّابع - الرّدّة:

44 -يبطل الاعتكاف بالرّدّة على قولهم جميعًا ، لكن إذا تاب وأسلم هل يجب استئناف الاعتكاف ؟

ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة إلى عدم وجوب الاستئناف بعد توبته ، فيسقط عنه القضاء لمّا بطل بردّته ، ولا يبني على ما مضى . لقوله تعالى: { قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } وقوله صلى الله عليه وسلم: « الإسلام يجبّ ما كان قبله » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت