قال الحافظ ابن حجر: [ قوله باب الاعتكاف في العشر الأواخر والاعتكاف في المساجد كلها أي مشروطية المسجد له من غير تخصيص بمسجد دون مسجد …. واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان . وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه وفيه قول للشافعي قديم وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات وخصه أبو يوسف بالواجب منه وأما النفل ففي كل مسجد وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي في الجامع وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة ويجب بالشروع عند مالك وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا . وأومأ إليه الشافعي في القديم وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة وعطاء بمسجد مكة والمدينة وابن المسيب بمسجد المدينة ] فتح الباري 5/176 .
وقال العيني: [ وقالت طائفة الاعتكاف يصح في كل مسجد روي ذلك عن النخعي وأبي سلمة وأبي ثور وداود وهو قول مالك في الموطأ وهو قول الجمهور والبخاري أيضًا حيث استدل بعموم الآية في سائر المساجد ] عمدة القاري 8/286 .
وروى ابن أبي شيبة بإسناده عن سعيد بن جبير أنه اعتكف في مسجد قومه ومثله عن همام بن الحارث ومثله عن إبراهيم النخعي وعن أبي الأحوص وعن يحيى بن أبي سلمة وعن عامر الشعبي .
وروى ابن أبي شيبة أيضًا بإسناده عن شداد بن الأزمع قال اعتكف رجل في المسجد الأعظم وضرب خيمته فحصبه الناس فبلغ ذلك ابن مسعود فأرسل إليه رجلًا فكف الناس عنه وحسَّن ذلك ] انظر المصنف 3/9-91 . وانظر أيضًا مصنف عبد الرزاق 4/346 -348 .
قال الإمام النووي: [ فرع في مذاهب العلماء في مسجد الاعتكاف قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط المسجد لصحة الاعتكاف وأنه يصح في كل مسجد وبه قال مالك وداود وحكى ابن المنذر عن سعيد ابن المسيب أنه قال إنه لا يصح إلا في مسجد النبي ?وما أظن أن هذا يصح عنه وحكى هو وغيره عن حذيفه بن اليمان الصحابي أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة المسجد الحرام ومسجد المدينة والأقصى وقال الزهري والحكم وحماد ولا يصح إلا في الجامع وقال أبو حنيفة وأحمد وإسحق وأبو ثور يصح في كل مسجد يصلى فيه الصلوات كلها وتقام فيه الجماعة واحتج لهم بحديث عن جويبر عن الضحاك عن حذيفة?ه عن النبي ? قال: ( كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح ) رواه الدارقطني وقال: الضحاك لم يسمع من حذيفه قلت وجويبر ضعيف باتفاق أهل الحديث فهذا الحديث مرسل ضعيف فلا يحتج به ، واحتج أصحابنا بقوله تعالى: ( وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ) ووجه الدلالة من الآية لاشتراط المسجد أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لأنها منافية للاعتكاف فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد وإذا ثبت جوازه في المساجد صح في كل مسجد ولا يقبل تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل ولم يصح في التخصيص شيء صريح ] المجموع 6/483 .
وقال ابن حزم الظاهري: [ والاعتكاف جائز في كل مسجد … وبرهان ذلك قوله تعالى: ( وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ) فعمَّ الله تعالى ولم يخص ] .
ثم قال ابن حزم: [ أما من حدَّ مسجد المدينة وحده أو مسجد مكة ومسجد المدينة أو المساجد الثلاثة أو المسجد الجامع فأقوال لا دليل على صحتها فلا معنى لها وهو تخصيص لقوله تعالى: ( وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ) … فإن قيل فأين أنتم عمَّا رويتموه من طريق سعيد بن منصور…: قال حذيفه لعبد الله بن مسعود قد علمت أن رسول الله ? قال: ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) أو قال: ( مسجد جماعة ) ؟ . قلنا: هذا شك من حذيفه أو ممن دونه ولا يقطع على رسول الله ? بشك ولو أنه عليه السلام قال: ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) لحفظه الله تعالى علينا ولم يدخل فيه شكًا . فصح يقينًا أنه عليه السلام لم يقله قط ] المحلى 3/428 - 431 .
وقال الشوكاني معلقًا على حديث حذيفه أنه قال لابن مسعود:[ لقد علمت أن رسول الله ? قال: ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال في مسجد جماعة )
قال الشوكاني: [ الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة ولكن لم يذكر المرفوع منه واقتصر على المراجعة التي فيه بين حذيفه وابن مسعود ولفظه: ( إن حذيفه جاء إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري يعني المسجد قال عبد الله:فلعلهم أصابوا وأخطأت ) فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي ? وآله وعلى أن عبد الله يخالفه ويجوز الاعتكاف في كل مسجد ولو كان ثم حديث عن النبي ? ما خالفه وأيضًا الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج أحد شقيه . وقد استشهد بعضهم لحديث حذيفه بحديث أبي سعيد وأبي هريرة وغيرهما مرفوعًا بلفظ: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ) وهو متفق عليه ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة لأن أفضلية المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف وقد حكى في الفتح عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة ] نيل الأوطار 4/301