وفرّق الحنابلة بين الجنون والإغماء ، فلم يوجبوا القضاء على ما فات حال الجنون ، وأوجبوه فيما فات حال الإغماء ، لأنّ الإغماء لا تطول مدّته غالبًا ، ولما روي أنّ عمّارًا رضي الله عنه أغمي عليه ثلاثًا ، ثمّ أفاق فقال: هل صلّيتُ ؟ قالوا: ما صلّيتَ منذ ثلاث ، ثمّ توضّأ وصلّى تلك الثّلاث . وعن عمران بن حصين وسمرة بن جندب رضي الله عنهما نحوه ، ولم يعرف لهم مخالف ، فكان كالإجماع .
28 -ومن أدرك جزءًا من الوقت وهو أهل ثمّ جنّ أو أغمي عليه ، فإن كان ما أدركه لا يسع الفرض فلا يجب عليه القضاء عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة . وعند الحنابلة يجب عليه القضاء . وإن كان ما أدركه يسع الفرض فعند الحنفيّة لا يجب القضاء ، لأنّ الوجوب يتعيّن في آخر الوقت إذا لم يوجد الأداء قبله ، فيستدعي الأهليّة فيه لاستحالة الإيجاب على غير الأهل ، ولم يوجد ، فلم يكن عليه القضاء ، وهو أيضًا رأي المالكيّة خلافًا لبعض أهل المدينة وابن عبد البرّ ، حيث القضاء عندهم أحوط .
وعند الشّافعيّة والحنابلة يجب عليه القضاء ،لأنّ الوجوب يثبت في أوّل الوقت فلزم القضاء. 29 - وإن أفاق المجنون أو المغمى عليه في آخر الوقت فللحنفيّة قولان:
أحدهما ، وهو قول زفر: لا يصبح مدركًا للفرض إلاّ إذا بقي من الوقت مقدار ما يمكن فيه أداء الفرض .
والثّاني ، للكرخيّ وأكثر المحقّقين ، وهو المختار: أنّه يجب الفرض ويصير مدركًا إذا أدرك من الوقت ما يسع التّحريمة فقط ، وهو قول الحنابلة وبعض الشّافعيّة .
وعند المالكيّة: يجب الفرض إذا بقي من الوقت مقدار ركعة من زمن يسع الطّهر ، وهو قول بعض الشّافعيّة . وفي قول آخر للشّافعيّة: إذا بقي مقدار ركعة فقط .
ثانيًا: بالنّسبة للصّوم:
30 -إذا استوعب الجنون شهر رمضان بأكمله فلا قضاء على المجنون سواء ، أكان الجنون أصليًّا أم عارضًا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، لحديث: « رفع القلم عن ثلاث ... » وإذا استوعب الإغماء الشّهر كلّه وجب القضاء على المغمى عليه إلاّ عند الحسن البصريّ ، ودليل وجوب القضاء قوله تعالى: { فمنْ كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فَعِدَّةٌ من أيَّامٍ أُخَر } والإغماء مرض . وعند المالكيّة: يجب القضاء على المجنون بعد إفاقته للآية السّابقة ، والجنون مرض ، وعن الإمام أحمد مثل ذلك بالنّسبة للمجنون .
وإن أفاق المجنون في أيّ يوم من أيّام الشّهر كان عليه قضاء ما مضى من الشّهر استحسانًا عند الحنفيّة ، والقياس أنّه لا يلزمه ، وهو قول زفر .
وفرّق محمّد فقال: لا قضاء لما فات في الجنون الأصليّ ، ويجب القضاء إذا كان الجنون عارضًا . وعند الشّافعيّة والحنابلة لا قضاء لما فات زمن الجنون للحديث المتقدّم - ويجب القضاء عند المالكيّة . ويجب القضاء على المغمى عليه لما فات عند الجميع .
31 -أمّا اليوم الّذي جنّ أو أغمي عليه فيه ، فإنّه يعتبر مدركًا لصيام هذا اليوم إن كان نوى الصّيام من اللّيل ، ولا قضاء عليه ، وهذا عند الحنفيّة .
وعند المالكيّة: إن جنّ أو أغمي عليه بعد الفجر ، واستمرّ الجنون أو الإغماء أكثر اليوم فعليه القضاء ، وإن كان بعد الفجر ولم يستمرّ نصف يوم فأقلّ أجزأه ، ولا قضاء عليه . وإن كان الإغماء أو الجنون مع الفجر أو قبله فالقضاء مطلقًا ، لزوال العقل وقت النّيّة . وعند الشّافعيّة في الأظهر ، وهو قول الحنابلة: أنّ الإغماء لا يضرّ صومه إذا أفاق لحظةً من نهار ، أيّ لحظة كانت ، اكتفاءً بالنّيّة مع الإفاقة في جزء .
والثّاني للشّافعيّة: يضرّ مطلقًا ، والثّالث: لا يضرّ إذا أفاق أوّل النّهار .
وإن نوى الصّوم ثمّ جنّ ففيه قولان: في الجديد يبطل الصّوم ، لأنّه عارض يسقط فرض الصّلاة فأبطل الصّوم ، وقال في القديم: هو كالإغماء . وعند الحنابلة: الجنون كالإغماء يجزئ صومه إذا كان مفيقًا في أيّ لحظة منه مع تبييت النّيّة .
32 -أمّا اليوم الّذي تحدث فيه الإفاقة من الجنون أو الإغماء ، فعند الحنفيّة: أن المجنون جنونًا عارضًا لو أفاق في النّهار قبل الزّوال ، فنوى الصّوم أجزأه . وفي الجنون الأصليّ خلاف ، ويجزئ في الإغماء بلا خلاف .
وعند المالكيّة: إن أفاق قبل الفجر أجزأ ذلك اليوم عن الصّيام بالنّسبة للمجنون والمغمى عليه ، وإن كانت الإفاقة بعد الفجر فهو على التّفصيل السّابق .
وعند الشّافعيّة: إن أفاق المجنون في النّهار فعلى الأصحّ لا قضاء عليه ، ويستحبّ له الإمساك ، وهذا في وجه . وفي الوجه الثّاني: يجب القضاء ، أمّا المغمى عليه فإذا أفاق أجزأه . وعند الحنابلة في قضاء اليوم الّذي أفاق فيه المجنون وإمساكه روايتان ، أمّا المغمى عليه فيصحّ صومه إن أفاق في جزء من النّهار .
ثالثًا: بالنّسبة للحجّ:
33 -من أحرم بالحجّ ، وطرأ عليه جنون أو إغماء ثمّ أفاق منه قبل الوقوف بعرفة ، ووقف ، أجزأه الحجّ باتّفاق . وكذلك من لم يحرم بالحجّ لجنون أو إغماء ، ولكنّه أفاق من قبل الوقوف ، وأحرم ووقف بعرفة أجزأه ، على تفصيل في وجوب الجزاء عليه .
ومثل ذلك أيضًا المجنون الّذي أحرم عنه وليّه ، أو المغمى عليه - عند من يقول بجواز الإحرام عنه كالحنفيّة وبعض الشّافعيّة - إذا أفاقا قبل الوقوف ووقفا أجزأهما الحجّ ، ومن وقف بعرفة وهو مجنون أو مغمًى عليه بعد أن أحرم وهو مفيق ، أو أحرم وليّه عنه فعند المالكيّة وبعض الشّافعيّة: كان حجّهما صحيحًا ، مع الاختلاف بين وقوعه فرضًا أو نفلًا . وعند الحنفيّة كان حجّ المغمى عليه صحيحًا ، وفي المجنون خلاف .