وذهب الحنفيّة ، وهو قول لأحمد إلى جواز ذلك إذا كان الكافر الميّت ذا رحم محرم من المسلم ، فيجوز عندهم تغسيله عند الاحتياج ، بأن لم يكن هناك من يقوم به من أهل دينه وملّته ، فإن كان ، خلّى المسلم بينه وبينهم .
والأصل في ذلك ما روي « عن عليّ رضي الله عنه لمّا مات أبوه أبو طالب ، جاء إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه عمّك الضّالّ قد توفّي ، فقال: اذهب واغسله وكفّنه وواره » .
ومذهب الشّافعيّة جواز تغسيل المسلمين وغيرهم للكافرين ، وأقاربه الكفّار أحقّ به من أقاربه المسلمين .
وصرّح المالكيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة بأنّ المسلم لا يغسّل الكافر مطلقا ، سواء أكان قريبا منه أم لم يكن .
وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه ليس للمسلم غسل زوجته الكافرة لأنّ المسلم لا يغسّل الكافر ولا يتولّى دفنه ، ولأنّه لا ميراث بينهما ولا موالاة ، وقد انقطعت الزّوجيّة بالموت . وكذلك لا تغسّله هي عند المالكيّة إلا إذا كانت بحضرة المسلمين . وعند الحنابلة مطلقًا .
لأنّ النّيّة واجبة في الغسل ، والكافر ليس من أهلها .
وعرف من مذهب الشّافعيّة أنّ للزّوج غسل زوجته المسلمة والذّمّيّة ، ولها غسله .
وأمّا عند الحنفيّة: فالمرأة لا تمنع من تغسيل زوجها بشرط بقاء الزّوجيّة ولو كتابيّة .
وأمّا عكس ذلك فلا يتأتّى عندهم في الأصحّ ، وعند أحمد في رواية ، لأنّه ليس للزّوج غسلها مطلقا كما سبق ( ف 13 ) .
تغسيل الكافر للمسلم:
15 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة في المخرج - مقابل الصّحيح المنصوص - والحنابلة إلى أنّه لا يصحّ تغسيل الكافر للمسلم ، لأنّ التّغسيل عبادة ، والكافر ليس من أهلها ، فلا يصحّ تغسيله للمسلم كالمجنون . وأيضًا فإنّ النّيّة واجبة في الغسل والكافر ليس من أهلها . وفي الصّحيح المنصوص عند الشّافعيّة أنّ الكافر لو غسّل مسلما فإنّه يكفي .
هـ - تغسيل الرّجال والنّساء للأطفال الصّغار وعكسه:
-1 - تغسيل الرّجال والنّساء للأطفال الصّغار:
16 -قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنّ المرأة تغسّل الصّبيّ الصّغير . وقيّده الحنفيّة والشّافعيّة بالّذي لا يشتهى ، والمالكيّة بثماني سنين فما دونها ، والحنابلة بما دون سبع سنين .
ثمّ اختلفوا في تحديد السّنّ على أقوال كثيرة فصّلها الفقهاء في ( كتاب الجنائز ) .
أمّا تغسيل الرّجال للصّغيرة فذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه لا بأس للرّجل أن يغسّل الصّبيّة الّتي لا تشتهى إذا ماتت ، لأنّ حكم العورة غير ثابت في حقّها ، وإليه ذهب الثّوريّ وأبو الخطّاب .
ويرى جمهور المالكيّة أنّه يجوز غسل صبيّة رضيعة وما قاربها كزيادة شهر على مدّة الرّضاع ، لا بنت ثلاث سنين . ويرى ابن القاسم منهم أنّه لا يغسّل الرّجل الصّبيّة وإن صغرت جدّا . وقال عيسى: إذا صغرت جدّا فلا بأس .
وصرّح أحمد أنّ الرّجل لا يغسّل الصّبيّة إلا ابنته الصّغيرة ، فإنّه يروى عن ابن قلابة أنّه غسّل بنتا له صغيرة ، وهو قول الحسن أيضا . قال ابن قدامة: الصّحيح ما عليه السّلف من أنّ الرّجل لا يغسّل الجارية ، والتّفرقة بين عورة الغلام والجارية ، لأنّ عورة الجارية أفحش ، ولأنّ العادة معاناة المرأة للغلام الصّغير ، ومباشرة عورته في حال تربيته ، ولم تجر العادة بمباشرة الرّجل عورة الجارية في الحياة ، فكذلك حال الموت .
تغسيل الصّبيّ للميّت:
17 -صرّح الحنفيّة والحنابلة بأنّه يجوز للصّبيّ إذا كان عاقلا أن يغسّل الميّت ، لأنّه تصحّ طهارته فصحّ أن يطهّر غيره ، وهو المتبادر من أقوال المالكيّة والشّافعيّة .
و - تغسيل المحرم الحلال وعكسه ، وكيفيّة تغسيل المحرم:
18 -لا خلاف بين الفقهاء في جواز تغسيل المحرم الحلال وعكسه ، لأنّ كلّ واحد منهما تصحّ طهارته وغسله ، فكان له أن يغسّل غيره .
وأمّا كيفيّة تغسيل المحرم فاختلف الفقهاء فيها:
ذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّ إحرامه يبطل بالموت فيصنع به كما يصنع بالحلال .
ويرى الشّافعيّة والحنابلة: أنّ حكم إحرامه لا يبطل بموته ، فيصنع في تغسيله ما يصنع بالمحرم . وفي الموضوع تفصيل يرجع فيه إلى مصطلح ( إحرام ) .
ز - تغسيل الخنثى المشكل:
19 -إذا كان الخنثى المشكل صغيرا لم يبلغ ، يجوز للرّجال والنّساء تغسيله ، كما يجوز مسّه والنّظر إليه . وأمّا إذا كان كبيرًا أو مراهقًا فذهب الحنفيّة ، وهو وجه عند الشّافعيّة إلى أنّه لا يغسّل رجلا ولا امرأة ، ولا يغسّله رجل ولا امرأة ، بل ييمّم .
والأصل عند الشّافعيّة أنّ الخنثى المشكل - إن كان له محرم من الرّجال أو النّساء - غسّله بالاتّفاق ، وإن لم يكن له محرم جاز للرّجال والنّساء غسله صغيرًا . فإن كان كبيرا ففيه وجهان: أحدهما: هذا ، والآخر: أنّه يغسّل . قال أحمد: إذا لم تكن له أمة ، ييمّم ، وزاد: أنّ الرّجل أولى بتيميم خنثى في سنّ التّمييز ، وحرم بدون حائل على غير محرم .
ويرى المالكيّة: أنّه إن أمكن وجود أمة له - سواء أكانت من ماله أم من بيت المال ، أم من مال المسلمين - فإنّها تغسّله ، وإلّا ييمّم ، ولا يغسّله أحد سواها .
وذهب الشّافعيّة في وجه آخر إلى أنّه يغسّل إذا لم يكن له محارم .
وفيمن يغسّل أوجه: أصحّها: أنّه يجوز للرّجال والنّساء جميعا للضّرورة ، واستصحابا لحكم الصّغر ، وبه قال أبو زيد .