والوجه الثّاني: أنّه في حقّ الرّجال كالمرأة ، وفي حقّ النّساء كالرّجل ، أخذا بالأحوط . والوجه الثّالث: وهو وجه ضعيف عندهم ، أنّه يشترى من تركته جارية لتغسّله ، فإن لم تكن له تركة فمن بيت المال .
من يغسّل من الموتى ومن لا يغسّل:
أ - تغسيل الشّهيد:
20 -اتّفق الفقهاء على أنّ الشّهيد لا يغسّل ، لما روي « عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال في شهداء أحد: ادفنوهم بدمائهم » .
ويرى الحسن البصريّ وسعيد بن المسيّب تغسيل الشّهيد .
وإن كان الشّهيد جنبًا فذهب أبو حنيفة والحنابلة ، وهو رواية عن الشّافعيّة ، وقول سحنون من المالكيّة إلى أنّه يغسّل . ويرى جمهور المالكيّة وأبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة ، والشّافعيّة في الأصحّ أنّه لا يغسّل لعموم الخبر .
وكذلك الحكم فيمن وجب عليه الغسل بسبب سابق على الموت ، كالمرأة الّتي تطهر من حيض أو نفاس ثمّ تستشهد فهي كالجنب .
وأمّا قبل الطّهارة من الحيض أو النّفاس فلا يجب الغسل .
وعن أبي حنيفة في هذه الحالة روايتان: إحداهما: يجب الغسل كالجنب والأخرى لا يجب .
وذهب جمهور الفقهاء - ما عدا أبا حنيفة - إلى أنّ الشّهيد البالغ وغيره سواء ، وإليه ذهب أبو ثور وابن المنذر . والخلاف في هذه المسألة وكذلك في تغسيل من كان به رمق ، والمرتثّ ( وهو من حمل من المعركة جريحا وبه رمق ) ، ومن عاد عليه سلاحه فقتله ، ومن يقتل من أهل العدل في المعركة ، ومن قتل ظلما ، أو دون ماله أو دون نفسه وأهله مبنيّ على خلاف آخر ، وهو أنّ هؤلاء وأمثالهم هل يعتبرون من الشّهداء أم لا ؟ .
فيرجع للتّفصيل إلى مصطلح ( شهيد ) .
ب - تغسيل المبطون والمطعون وصاحب الهدم وأمثالهم:
21 -لا خلاف عند جمهور الفقهاء في أنّ الشّهيد بغير قتل كالمبطون ، والمطعون ، ومنه الغريق ، وصاحب الهدم ، والنّفساء ، ونحوهم يغسّلون ، وإن ورد فيهم لفظ الشّهادة .
ج - تغسيل من لا يدرى حاله:
22 -لو وجد ميّت أو قتيل في دار الإسلام . وكان عليه سيما المسلمين من الختان والثّياب والخضاب وحلق العانة ، فإنّه يجب غسله عند جمهور الفقهاء ، سواء أوجد في دار الإسلام أم دار الحرب . وأمّا إذا لم يكن عليه ذلك فالصّحيح عندهم: أنّه إن وجد في دار الإسلام يغسّل ، وإن وجد في دار الحرب لا يغسّل ، ولأنّ الأصل أنّ من كان في دار فهو من أهلها ، يثبت له حكمهم ، ما لم يقم على خلافه دليل .
وصرّح ابن القاسم من المالكيّة بأنّ الميّت إن وجد بفلاة ، لا يدرى أمسلم هو أم كافر ؟ فلا يغسّل . وكذلك لو وجد في مدينة من المدائن في زقاق ، ولا يدرى حاله أمسلم أم كافر ؟ قال ابن رشد: وإن كان مختونا فكذلك ، لأنّ اليهود يختتنون ، وقال ابن حبيب: ومن النّصارى أيضا من يختتن .
د - تغسيل موتى المسلمين عند اختلاطهم بالكفّار:
23 -لو اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين ولم يميّزوا ، فلا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنّهم يغسّلون جميعا ، سواء أكان المسلمون أكثر أم أقلّ . أو كانوا على السّواء ، وهذا لأنّ غسل المسلم واجب ، وغسل الكافر جائز في الجملة ، فيؤتى بالجائز في الجملة لتحصيل الواجب .
هـ - تغسيل البغاة وقطّاع الطّريق:
24 -ذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يغسّل البغاة إذا قتلوا في الحرب ، إهانة لهم وزجرا لغيرهم عن فعلهم . وأمّا إذا قتلوا بعد ثبوت يد الإمام عليهم فإنّهم يغسّلون . وفي رواية عن الحنفيّة ، وهو ما ذهب إليه المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّهم يغسّلون . ولتفصيل ذلك يرجع إلى مصطلح: ( بغاة ) . ولم يفرّق الحنفيّة بين البغاة وقطّاع الطّريق في عدم التّغسيل .
و - تغسيل الجنين إذا استهلّ:
25 -إذا خرج المولود حيّا ، أو حصل منه ما يدلّ على حياته من بكاء أو تحريك عضو أو طرف أو غير ذلك ، فإنّه يغسّل بالإجماع ، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنّ الطّفل إذا عرفت حياته واستهلّ ، يغسّل ويصلّى عليه .
كما أنّه يرى جمهور الفقهاء عدم تغسيل من لم يأت له أربعة أشهر ولم يتبيّن خلقه ، إلا ما روي عن ابن سيرين . وما ورد من الغسل في بعض كتب الحنفيّة ، فالمراد هو الغسل في الجملة كصبّ الماء عليه ، من غير وضوء ولا ترتيب .
واختلفوا في الطّفل الّذي ولد لأربعة أشهر أو أكثر ، فالأصحّ عند الحنفيّة ، وهو المذهب للشّافعيّة والحنابلة أنّه يغسّل . وذهب الحنفيّة في رواية ، والمالكيّة ، وهو قول للشّافعيّة إلى أنّه لا يغسّل ، بل يغسل دمه ، ويلفّ في خرقة ويدفن .
ز - تغسيل جزء من بدن الميّت:
26 -إذا بان من الميّت شيء غسّل وحمل معه في أكفانه بلا خلاف .
وأمّا تغسيل بعض الميّت ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه إن وجد الأكثر غسّل ، وإلا فلا .
وذهب الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة إلى أنّه يغسّل سواء في ذلك أكثر البدن وأقلّه لما روي أنّ طائرًا ألقى يدًا بمكّة زمن وقعة الجمل ، وكانت يد عبد الرّحمن بن عتّاب بن أسيد ، فغسّلها أهل مكّة ، وصلّوا عليها .
أخذ الأجرة على تغسيل الميّت:
27 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ أخذ الأجرة على تغسيل الميّت جائز ، وأنّه يؤخذ من تركة الميّت ، كالتّجهيز والتّلقين . وصرّح الحنفيّة بأنّ الأفضل أن يغسّل الميّت مجّانًا ، فإن ابتغى الغاسل الأجر جاز إن كان ثمّة غيره ، وإلا فلا ، لتعيّنه عليه ، لأنّه صار واجبًا عليه عينا ، ولا يجوز أخذ الأجرة على الطّاعة . وذهب البعض إلى الجواز .
دفن الميّت من غير غسل: