فهرس الكتاب

الصفحة 694 من 2053

14 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ شهيد المعركة - الّذي قتله المشركون ، أو وجد بالمعركة جريحا ، أو قتله المسلمون ظلمًا ولم يجب فيه مال - يكفّن في ثيابه ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « زمّلوهم بدمائهم » وقد روي في ثيابهم ، وعن عمّار وزيد بن صوحان أنّهما قالا: لا تنزعوا عنّي ثوبا . . الحديث ، غير أنّه ينزع عنه الجلود والسّلاح والفرو والحشو والخفّ والمنطقة والقلنسوة". لما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال:"تنزع عنه العمامة والخفّان والقلنسوة ، ولما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: « أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود ، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم » ولأنّ هذه الأشياء الّتي أمر بنزعها ليست من جنس الكفن ، ولأنّ المراد من قوله صلى الله عليه وسلم « زمّلوهم بثيابهم » الثّياب الّتي يكفّن بها وتلبس للسّتر ، ولأنّ الدّفن بالسّلاح وما ذكر معه كان من عادة أهل الجاهليّة ، فإنّهم كانوا يدفنون أبطالهم بما عليهم من الأسلحة وقد نهينا عن التّشبّه بهم .

ويجوز أن يزاد في أكفانهم أو ينقص على أن لا يخرج عن كفن السّنّة ، لما روي عن خبّاب أنّ « حمزة رضي الله عنه لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتّى مدّت على رأسه وجعل على قدميه الإذخر » .

وذاك زيادة ، ولأنّ الزّيادة على ما عليه حتّى يبلغ عدد السّنّة من باب الكمال وأمّا النّقصان فهو من باب دفع الضّرر عن الورثة لجواز أن يكون عليه من الثّياب ما يضرّ بالورثة تركه عليه .

وعند المالكيّة . أنّ شهيد المعركة يدفن بثيابه الّتي مات فيها وجوبا إن كانت مباحة وإلا فلا يدفن بها ، ويشترط أن تستره كلّه فتمنع الزّيادة عليها ، فإن لم تستره زيد عليها ما يستره ، فإن وجد عريانا ستر جميع جسده .

قال ابن رشد: من عرّاه العدوّ فلا رخصة في ترك تكفينه بل ذلك لازم . وأمّا الزّيادة على ثيابه إذا كان فيها ما يجزيه فلا بأس بها ، وليس لوليّه نزع ثيابه وتكفينه بغيرها .

ويندب دفنه بخفّ وقلنسوة ومنطقة - ما يحتزم به في وسطه - إن قلّ ثمنها وخاتم قلّ ثمنه ، ولا يدفن الشّهيد بآلة حرب قتل وهي معه كدرع وسلاح .

وقال الحنابلة: إنّ شهيد المعركة يجب دفنه في ثيابه الّتي قتل فيها ولو كانت حريرًا على ظاهر المذهب . وينزع السّلاح والجلود والفرو والخفّ لحديث ابن عبّاس رضي الله عنه السّابق ، ولا يزاد في ثياب الشّهيد ولا ينقص منها ، ولو لم يحصل المسنون بها لنقصها أو زيادتها . وذكر القاضي في تخريجه أنّه لا بأس بهما ، وجاء في المبدع: فإن سلب ما على الشّهيد من الثّياب ، كفّن بغيرها وجوبا كغيره .

وقال الشّافعيّة: يكفّن شهيد المعركة ندبا في ثيابه لخبر أبي داود بإسناد حسن عن جابر رضي الله عنه قال: « رمي رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو قال: ونحن مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم » والمراد ثيابه الّتي مات فيها واعتاد لبسها غالبا ، وإن لم تكن ملطّخة بالدّم ، ويفهم من عبارتهم أنّه لا يجب تكفينه في ثيابه الّتي كانت عليه وقت استشهاده بل هو أمر مندوب إليه فيجوز أن يكفّن كسائر الموتى ، فإن لم يكن ما عليه سابغا أي ساترا لجميع بدنه تمّم وجوبًا ، لأنّه حقّ للميّت ، ويندب نزع آلة الحرب عنه كدرع وخفّ ، وكلّ ما لا يعتاد لبسه غالبا كجلد وفرو وجبّة محشوّة .

وأمّا شهداء غير المعركة كالغريق والحريق والمبطون والغريب فيكفّن كسائر الموتى وذلك باتّفاق جميع الفقهاء .

إعداد الكفن مقدّمًا:

15 -في البخاريّ: عن ابن أبي حازم عن سهل رضي الله عنه: « أنّ امرأة جاءت إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة فيها حاشيتها . . . فحسّنها فلان فقال: أكسنيها ما أحسنها . قال القوم: ما أحسنت ، لبسها النّبيّ صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها ، ثمّ سألته ، وعلمت أنّه لا يردّ ، قال: إنّي واللّه ما سألته لألبسها ، إنّما سألته لتكون كفني ، قال سهل: فكانت كفنه » .

وهذا الحديث دليل على الجواز ، لعدم إنكار النّبيّ صلى الله عليه وسلم لذلك .

وفي حاشية ابن عابدين . وينبغي أن لا يكره تهيئة الكفن لأنّ الحاجة إليه متحقّقة غالبًا .

وقال الشّافعيّة: لا يندب أن يعدّ لنفسه كفنًا لئلا يحاسب على اتّخاذه إلا أن يكون من جهة حلّ أو أثر من ذي صلاح فحسن إعداده ، لكن لا يجب تكفينه فيه كما اقتضاه كلام القاضي أبي الطّيّب وغيره ، بل للوارث إبداله . ولهذا لو نزعت الثّياب الملطّخة بالدّم عن الشّهيد وكفّن في غيرها جاز مع أنّ فيها أثر العبادة الشّاهدة له بالشّهادة ، فهذا أولى .

إعادة تكفين الميّت:

16 -اتّفق الفقهاء على أنّه لو كفّن الميّت فسرق الكفن قبل الدّفن أو بعده كفّن كفنا ثانيا من ماله أو من مال من عليه نفقته أو من بيت المال ، لأنّ العلّة في المرّة الأولى الحاجة وهي موجودة في الحالة الثّانية .

القطع بسرقة الكفن:

17 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى قطع النّبّاش إذا تحقّقت شروط القطع في السّرقة ، لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « من حرّق حرّقناه ، ومن غرّق غرّقناه ، ومن نبش قطعناه » .

ولما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا لأنّ القبر حرز للكفن ، وإن كان الكفن زائدًا على كفن السّنّة أو دفن في تابوت فسرق التّابوت لم يقطع ، لأنّ ما زاد على المشروع في الكفن لم يجعل القبر حرزًا له وكذلك التّابوت .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت