34 -اتّفق الفقهاء على أنّه إذا اجتمعت جنائز يجوز أن يصلّى عليهم مجتمعين أو فرادى ثمّ اختلفوا فقال الحنفيّة: فالإمام إن شاء صلّى على كلّ واحدة على حدة ، وإن شاء صلّى على الكلّ دفعة واحدة بالنّيّة على الجميع ، كذا في معراج الدّراية والبدائع ، وفي الدّرّ: إفراد الصّلاة على كلّ واحدة أولى من الجمع - لأنّ الجمع مختلف فيه - فإذا أفرد يصلّي على أفضلهم أوّلا ، ثمّ على الّذي يليه في الفضل إن لم يسبقه غيره ، وإلاّ يصلّي على الأسبق أوّلا ولو كان مفضولًا .
والمذهب عند الشّافعيّة: أنّ الإفراد أفضل من أن يصلّي عليهم دفعة واحدة لأنّه أكثر عملا وأرجى للقبول . وقال الحنابلة وهو قول صاحب التّنبيه من الشّافعيّة إذا اجتمعت جنائز فجمعهم في الصّلاة عليهم أفضل من الصّلاة على كلّ واحد منهم منفردًا ، وذلك لأجل المحافظة على الإسراع والتّخفيف .
ثمّ قال الحنفيّة إن صلّى عليهم دفعة فإن شاء جعلهم صفًّا واحدًا عرضًا ، وإن شاء وضع واحدا بعد واحد ممّا يلي القبلة ليقوم بحذاء الكلّ ، هذا جواب ظاهر الرّواية .
وروي عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنّ الثّاني أولى ، لأنّ السّنّة هي قيام الإمام بحذاء الميّت ، وهو يحصل في الثّاني دون الأوّل ، فإذا صفّهم صفًّا واحدًا عرضًا قام عند أفضلهم إذا اختلفوا في الفضل ، وإن تساووا قام عند أسنّهم ،"أكبرهم سنّا".
وقال مالك: أرى ذلك واسعًا إن جعل بعضهم خلف بعض ، أو جعلوا صفًّا واحدًا ، ويقوم الإمام وسط ذلك ويصلّي عليهم . وإن كانوا غلمانًا ذكورًا أو نساء جعل الغلمان ممّا يلي الإمام والنّساء من خلفهم ممّا يلي القبلة ، وإن كنّ نساء صنع بهنّ كما يصنع بالرّجال كلّ ذلك واسع بعضهم خلف بعض صفًّا واحدًا .
وقال الشّافعيّة - في الأصحّ عندهم - والحنابلة: إنّ الجنائز توضع أمام الإمام بعضها خلف بعض ، والقول الثّاني عند الشّافعيّة: أنّها توضع بين يدي الإمام صفًّا واحدًا عن يمينه فيقف هو في محاذاة الآخر منهم ، فإن كانوا رجالا ونساء يتعيّن عند الشّافعيّة القول الأوّل .
وإن وضعوا واحدًا بعد واحد ممّا يلي القبلة ينبغي أن يكون أفضلهم ممّا يلي الإمام ، كذا روي عن أبي حنيفة أنّه يوضع أفضلهم وأسنّهم ممّا يلي الإمام ، وقال أبو يوسف: الأحسن عندي أن يكون أهل الفضل ممّا يلي الإمام . ثمّ إن وضع رأس كلّ واحد منهم بحذاء رأس صاحبه فحسن ، وإن وضع شبه الدّرج كما قال ابن أبي ليلى ، وهو أن يكون رأس الثّاني عند منكب الأوّل فحسن أيضًا ، كذا روي عن أبي حنيفة .
وقال الشّافعيّة: يوضع بعضهم خلف بعض ليحاذي الإمام الجمع .
وقال الحنابلة: يتعيّن أن يكون رأس كلّ واحد منهم بحذاء رأس صاحبه إن كانوا من نوع واحد ، فإن كانوا أكثر من نوع سوّى بين رءوس كلّ نوع ويجعل وسط المرأة حذاء صدر الرّجل . وترتيبهم في الوضع عند اختلاف النّوع لا خلاف فيه بين المذاهب ، فتوضع الرّجال ممّا يلي الإمام ، ثمّ الصّبيان ، ثمّ الخناثى ، ثمّ النّساء ، ثمّ المراهقات .
ولو كان الكلّ رجالًا يوضع أفضلهم وأسنّهم ممّا يلي الإمام .
وهذا إن جيء بهم دفعة واحدة فإن جيء بهم متعاقبين وكانوا من نوع واحد يقدّم الأسبق .
وقال مالك والشّافعيّ: إن افتتح المصلّي الصّلاة على جنازة فكبّر واحدة أو اثنتين ، ثمّ أتي بجنازة أخرى وضعت حتّى يفرغ من الصّلاة على الجنازة الّتي كانت قبلها ، لأنّه افتتح الصّلاة ينوي بها غير هذه الجنازة المؤخّرة ، ثمّ يصلّي على الجنازة المؤخّرة .
وإذا كبّر الإمام على جنازة فجيء بأخرى مضى على صلاته على الأولى ، فإذا فرغ استأنف على الثّانية ، وإن كان لمّا وضعوا الثّانية كبّر الأخرى ينويهما فهي للأولى أيضًا ، ولا يكون للثّانية ، وإن كبّر الثّانية ينوي الثّانية وحدها فهي للثّانية وقد خرج من الأولى ، فإذا فرغ أعاد الصّلاة على الأولى وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة .
وقال الحنابلة: لو كبّر فجيء بأخرى كبّر ثانية ونواهما ، فإن جيء بثالثة كبّر ثالثة ونوى الجنائز الثّلاث ، فإن جيء برابعة كبّر رابعة ونوى الكلّ ، فيصير مكبّرًا على الأولى أربعًا وعلى الثّانية ثلاثًا ، وعلى الثّالثة اثنتين ، وعلى الرّابعة واحدة ، فيأتي بثلاث تكبيرات أخر ، فيتمّ التّكبيرات سبعا ، يقرأ في خامسة ويصلّي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم بسادسة ، ويدعو بسابعة ، فيصير مكبّرًا على الأولى سبعًا ، وعلى الثّانية ستًّا ، وعلى الثّالثة خمسًا ، وعلى الرّابعة أربعًا . فإن جيء بخامسة لم ينوها بل يصلّي عليها بعد سلامه ، وكذا لو جيء بثانية عقب التّكبيرة الرّابعة ، لأنّه لم يبق من السّبع أربع ، ولا بدّ من أربع تكبيرات ، ولا يجوز أن يزيد على سبع تكبيرات .
35 -ويرى الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة أنّه لو صلّى النّساء جماعة على جنازة قامت الّتي تؤمّ وسطهنّ كما في الصّلاة المفروضة المعهودة .
وعند المالكيّة لا تصلّي النّساء جماعة ، بل يصلّين فرادى في آن واحد ، لأنّهنّ لو صلّين واحدة بعد واحدة لزم تكرار الصّلاة وهو مكروه عندهم .
الحدث في صلاة الجنازة:
36 -ذهب الحنفيّة إلى أنّه إن كان الإمام على غير الطّهارة تعاد الصّلاة ، وإن كان الإمام على طهارة والقوم على غير طهارة صحّت صلاة الإمام ولا تعاد الصّلاة عليه .
وقال الشّافعيّ: لو صلّى الإمام غير متوضّئ ومن خلفه متوضّئون أجزأت صلاتهم ، وإن كانوا كلّهم غير متوضّئين أعادوا ، وإن كان فيهم ثلاثة فصاعدًا متوضّئون أجزأت .