56 -ذهب الأئمّة الثّلاثة إلى أنّ السّعي ركن من أركان الحجّ لا يصحّ بدونه ، حتّى لو ترك الحاجّ خطوة منه يؤمر بأن يعود إلى ذلك الموضع فيضع قدمه عليه ، ويخطو تلك الخطوة . وهو قول عائشة وعروة بن الزّبير . وذهب الحنفيّة إلى أنّ السّعي واجب في الحجّ وليس بركن ، وهو مذهب الحسن البصريّ وسفيان الثّوريّ . وركن السّعي عند الجمهور سبعة أشواط ، حتّى لو ترك شيئا منها لم يتحلّل من إحرامه ، أمّا الحنفيّة فإنّ ركن السّعي أكثر أشواط السّعي ، والثّلاثة الباقية ليست ركنا ، وتنجبر بالفداء . والمشي للقادر واجب في السّعي عند الحنفيّة والمالكيّة ، سنّة عند الشّافعيّة والحنابلة .
واجبات الحجّ:
57 -الواجب في الحجّ: هو ما يطلب فعله ويحرم تركه ، لكن لا تتوقّف صحّة الحجّ عليه ، ويأثم تاركه ، إلاّ إذا تركه بعذر معتبر شرعا ، ويجب عليه الفداء بجبر النّقص . وواجبات الحجّ قسمان: القسم الأوّل: الواجبات الأصليّة ، الّتي ليست تابعة لغيرها . القسم الثّاني: الواجبات التّابعة لغيرها . وهي أمور يجب مراعاتها في أداء ركن أو واجب من أعمال الحجّ . أوّلا: واجبات الحجّ الأصليّة: المبيت بمزدلفة:
58 -المزدلفة تسمّى"جمعا"أيضا ، لاجتماع النّاس بها ليلة النّحر . واتّفق الفقهاء على أنّ المبيت بالمزدلفة واجب ليس بركن . ثمّ اختلفوا في مقداره ووقته . فذهب الأئمّة الثّلاثة إلى أنّ زمن الوقوف الواجب هو المكث بالمزدلفة من اللّيل ، ثمّ اختلف أصحاب هذا الرّأي . فذهب المالكيّة إلى أنّ النّزول بالمزدلفة قدر حطّ الرّحال في ليلة النّحر واجب ، والمبيت بها سنّة . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجب الوجود بمزدلفة بعد نصف اللّيل ، ولو ساعة لطيفة: أي فترة ما من الزّمن ولو قصيرة . وذهب الحنفيّة إلى أنّه ما بين طلوع الفجر يوم النّحر وطلوع الشّمس ، فمن حصّل بمزدلفة في هذا الوقت فترة من الزّمن فقد أدرك الوقوف ، سواء بات بها أو لا ، ومن لم يحصّل بها فيه فقد فاته الوقوف الواجب بالمزدلفة . وعليه دم إلاّ إن تركه لعذر كزحمة فلا شيء عليه . واتّفقوا على أنّ الحاجّ يجمع في المزدلفة بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تأخير ، وهذا الجمع سنّة عند الجمهور ، واجب عند الحنفيّة .
ثانيا: رمي الجمار:
59 -الرّمي لغة: القذف . والجمار: الأحجار الصّغيرة ، جمع جمرة ، وهي الحصاة . ورمي الجمار واجب في الحجّ ، أجمعت الأمّة على وجوبه . والرّمي الواجب لكلّ جمرة ( أي موضع الرّمي ) هو سبع حصيات بالإجماع أيضا . توقيت الرّمي وعدده:
60 -أيّام الرّمي أربعة: يوم النّحر العاشر من ذي الحجّة ، وثلاثة أيّام بعده وتسمّى"أيّام التّشريق"الرّمي يوم النّحر:
61 -واجب الرّمي في هذا اليوم هو رمي جمرة العقبة وحدها فقط ، يرميها بسبع حصيات . ووقت الرّمي هذا يبدأ من طلوع فجر يوم النّحر عند الحنفيّة والمالكيّة . ومن منتصف ليلة يوم النّحر لمن وقف بعرفة قبله عند الشّافعيّة والحنابلة . وآخر وقت الرّمي عند الحنفيّة إلى فجر اليوم التّالي ، وعند المالكيّة إلى المغرب . حتّى يجب الدّم في المذهبين بتأخير رمي يوم عن الوقت المذكور . وآخر وقت الرّمي عند الشّافعيّة والحنابلة . يمتدّ إلى آخر أيّام التّشريق . الرّمي في اليوم الأوّل والثّاني من أيّام التّشريق:
62 -يجب في هذين اليومين رمي الجمار الثّلاث على التّرتيب: أوّلا الجمرة الصّغرى ، الّتي تلي مسجد الخيف بمنى ، ثمّ الوسطى ، بعدها ، ثمّ جمرة العقبة ، يرمي كلّ جمرة منها بسبع حصيات . ويبدأ وقت الرّمي في هذين اليومين بعد الزّوال ، ولا يجوز قبله عند جمهور العلماء ، وهي الرّواية الظّاهرة عن أبي حنيفة . وروى الحسن عن أبي حنيفة: « إن كان من قصده أن يتعجّل في النّفر الأوّل فلا بأس أن يرمي في اليوم الثّالث قبل الزّوال ، وإن رمى بعده فهو أفضل ، وإن لم يكن ذلك من قصده لا يجوز أن يرمي إلاّ بعد الزّوال ، وذلك لدفع الحرج ، لأنّه إذا نفر بعد الزّوال لا يصل إلى مكّة إلاّ باللّيل ، فيحرج في تحصيل موضع النّزول . أمّا الوقت المسنون فيمتدّ من زوال الشّمس إلى غروبها . وأمّا نهاية وقت الرّمي: فقيّده الحنفيّة والمالكيّة في كلّ يوم بيومه ، كما في يوم النّحر . وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ آخر الوقت بغروب شمس اليوم الرّابع من أيّام النّحر ، وهو آخر أيّام التّشريق . النّفر الأوّل:
63 -إذا رمى الحاجّ الجمار ثاني أيّام التّشريق يجوز له أن ينفر - أي يرحل - إلى مكّة ، إن أحبّ التّعجّل في الانصراف من منى ، ويسمّى هذا اليوم يوم النّفر الأوّل ، وبه يسقط رمي اليوم الثّالث من أيّام التّشريق اتّفاقا . ومذهب الأئمّة الثّلاثة: له أن ينفر قبل غروب الشّمس ، ومذهب الحنفيّة: له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرّابع من أيّام النّحر . الرّمي ثالث أيّام التّشريق:
64 -يجب رمي الجمار الثّلاث في هذا اليوم على من تأخّر ولم ينفر من منى"النّفر الأوّل"ووقته عند الجمهور بعد الزّوال ، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يقدّم الرّمي في هذا اليوم قبل الزّوال بعد طلوع الفجر . واتّفقوا على أنّ آخر وقت الرّمي في هذا اليوم غروب الشّمس ، وأنّ وقت الرّمي لهذا اليوم ولقضاء ما قبله ينتهي أيضا بغروب شمس اليوم الرّابع ، لخروج وقت المناسك بغروب شمسه . النّفر الثّاني: