فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 2053

85 -مع اتّفاقهم على مشروعيّة هذا التّرتيب فقد اختلفوا فيه: والسّبب في هذا الاختلاف هو ورود حديث آخر يدلّ على أنّ التّرتيب سنّة ، لا فداء على من تركه . ذلك هو حديث عبد اللّه بن عمرو { أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقف في حجّة الوداع فجعلوا يسألونه ، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح ؟ قال: اذبح ولا حرج فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ؟ قال: ارم ولا حرج فما سئل يومئذ عن شيء قدّم ولا أخّر إلاّ قال: افعل ولا حرج } . فذهب الحنفيّة والمالكيّة ورواية عن أحمد إلى وجوب ترتيب أعمال يوم النّحر على تفصيل فيه ، أخذ كلّ منهم به للتّوفيق بين الأدلّة . وذهب الشّافعيّ والصّاحبان ورواية عن أحمد إلى أنّ التّرتيب سنّة ، واستدلّوا بحديث عبد اللّه بن عمرو الأخير ، فإنّ قوله: فما سئل يومئذ .. يدلّ بعمومه على سنّيّة التّرتيب . أمّا الأوّلون فاستدلّوا بفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّه يدلّ على الوجوب ، ثمّ ذهبوا مذاهب في كيفيّة التّرتيب: فذهب الحنفيّة إلى وجوب التّرتيب بين أعمال منى حسب الوارد ، أمّا التّرتيب بينها وبين طواف الإفاضة فسنّة . واستدلّوا بأدلّة منها: مراعاة اتّباع فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما نصّ عليه حديث أنس ، وقوله تعالى: { ليذكروا اسم اللّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ، ثمّ ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطّوّفوا بالبيت العتيق } . وجه الاستدلال أنّه أمر بقضاء التّفث وهو الحلق مرتّبا على الذّبح ، فدلّ على وجوب التّرتيب . وقال المالكيّة: الواجب في التّرتيب: تقديم الرّمي على الحلق وعلى طواف الإفاضة ، وغير ذلك من التّرتيب لا يجب ، بل هو سنّة . استدلّوا على وجوب تقديم الرّمي على الحلق بأنّه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التّحلّل الأوّل ، ولا يحصل التّحلّل الأوّل إلاّ برمي جمرة العقبة . واستدلّوا على عدم وجوب تقديم الذّبح على الحلق بحديث عبد اللّه بن عمرو السّابق ، أخذا بالتّقديم والتّأخير المنصوص عليه في الحديث ، وفسّروا فما سئل عن شيء قدّم ولا أخّر ... بأنّ المراد ممّا ذكر في صدر الحديث لتقديمه وتأخيره . وأخذ الإمام أحمد في رواية الوجوب عنه بلفظ"لم أشعر"فقال: يجب التّرتيب على العالم به الذّاكر له ، أمّا الجاهل والنّاسي فلا شيء عليه ، وقيّدوا شطر الحديث الأخير"فما سئل ..."لهذا المعنى ، أي قال: { لا حرج } فيما قدّم وأخّر ، من غير شعور . والحاصل كما قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا بينهم في أنّ مخالفة التّرتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء ، ولا يمنع وقوعها موقعها ، وإنّما اختلفوا في وجوب الدّم على ما ذكرنا » .

التّحلّل من إحرام الحجّ:

86 -يحصل التّحلّل بأداء أركان الحجّ وواجباته رمي جمرة العقبة ، والحلق ، والتّحلّل من إحرام الحجّ . وهذا التّحلّل قسمان: التّحلّل الأوّل أو الأصغر ، والتّحلّل الثّاني أو الأكبر ، وقد سبق التّحلّل في مصطلح: ( إحرام ) ( ف 122 - 125 ) .

سنن الحجّ ومستحبّاته وممنوعاته ومباحاته الأوّل: سنن الحجّ:

87 -السّنن في الحجّ يطلب فعلها ، ويثاب عليها ، لكن لا يلزم بتركها الفداء من دم أو صدقة . أوّلا: طواف القدوم:

88 -ويسمّى طواف القادم ، طواف الورود ، وطواف الوارد ، وطواف التّحيّة لأنّه شرع للقادم والوارد من غير مكّة لتحيّة البيت . ويسمّى أيضا طواف اللّقاء ، وأوّل عهده بالبيت ، وطواف القدوم سنّة للآفاقيّ القادم من خارج مكّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، تحيّة للبيت العتيق ، لذلك يستحبّ البدء به دون تأخير ، وسوّى الشّافعيّة بين داخلي مكّة المحرم منهم وغير المحرم في سنّيّة طواف القدوم . وذهب المالكيّة إلى أنّه واجب ، من تركه لزمه الدّم . ووجوب طواف القدوم عند المالكيّة على كلّ من أحرم من الحلّ ، سواء كان من أهل مكّة أو غيرها ، وسواء كان إحرامه من الحلّ واجبا كالآفاقيّ القادم محرما بالحجّ ، أم ندبا كالمقيم بمكّة الّذي معه نفس ( متّسع من الوقت ) وخرج من الحرم فأحرم من الحلّ ، وسواء كان أحرم بالحجّ مفردا أم قارنا ، وكذا المحرم من الحرم إن كان يجب عليه الإحرام من الحلّ ، بأن جاوز الميقات حلالا مخالفا للنّهي . وهو واجب على هؤلاء ما لم يكن أحدهم مراهقا ، وهو من ضاق وقته حتّى خشي فوات الوقوف بعرفات . والأصل فيه فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم كما ثبت في أوّل حديث جابر قوله: { حتّى إذا أتينا البيت معه استلم الرّكن فرمل ثلاثا ومشى أربعا } . وعن عائشة رضي الله عنها: { إنّ أوّل شيء بدأ به حين قدم النّبيّ صلى الله عليه وسلم مكّة أنّه توضّأ ثمّ طاف ... } الحديث . فاستدلّ المالكيّة بذلك على الوجوب بقوله: { خذوا عنّي مناسككم } . وقال الجمهور: إنّ القرينة قامت على أنّه غير واجب لأنّ المقصود به التّحيّة ، فأشبه تحيّة المسجد ، فيكون سنّة .

متى يسقط طواف القدوم:

89 -يسقط طواف القدوم عمّن يلي:

أ - المكّيّ . ومن في حكمه ، وهو الآفاقيّ إذا أحرم من مكّة ، وشرط فيه المالكيّة أن لا يكون وجب عليه الإحرام من الحلّ ، كما سبق ، ووسّع الحنفيّة فقالوا: يسقط عمّن كان منزله في منطقة المواقيت لأنّ لها حكم مكّة . وعلّة سقوط طواف القدوم عن هؤلاء أنّه شرع للقدوم ، والقدوم في حقّهم غير موجود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت