15 -جمهور الفقهاء وهم المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - لا يعتبرون القهقهة من الأحداث مطلقا ، فلا ينتقض الوضوء بها أصلا ولا يجعلون فيها وضوءا ، لأنّها لا تنقض الوضوء خارج الصّلاة فلا تنقضه داخلها ، ولأنّها ليست خارجا نجسا ، بل هي صوت كالكلام والبكاء . وذكر الحنفيّة في الأحداث الّتي تنقض الوضوء القهقهة في الصّلاة إذا حدثت من مصلّ بالغ يقظان في صلاة كاملة ذات ركوع وسجود ، سواء أكان متوضّئا أم متيمّما أم مغتسلا في الصّحيح ، وسواء أكانت القهقهة عمدا أم سهوا ، لقوله صلى الله عليه وسلم: { من ضحك في الصّلاة قهقهة فليعد الوضوء والصّلاة معا } . والقهقهة ما يكون مسموعا لجيرانه ، والضّحك ما يسمعه هو دون جيرانه ، والتّبسّم ما لا صوت فيه ولو بدت أسنانه . قالوا: القهقهة تنقض الوضوء وتبطل الصّلاة معا ، والضّحك يبطل الصّلاة خاصّة ، والتّبسّم لا يبطل شيئا . وعلى ذلك فلا يبطل وضوء صبيّ ونائم بالقهقهة في الصّلاة على الأصحّ عند الحنفيّة ، كما لا ينقض وضوء من قهقه خارج الصّلاة ، أو من كان في صلاة غير كاملة ، كصلاة الجنازة وسجدة التّلاوة . ثمّ قيل: إنّ القهقهة من الأحداث عندهم ، وقيل: لا بل وجب الوضوء بها عقوبة وزجرا ، لأنّ المقصود بالصّلاة إظهار الخشوع والخضوع والتّعظيم للّه تعالى ، والقهقهة تنافي ذلك فناسب انتقاض وضوئه زجرا له . والرّاجح أنّها ليست حدثا وإلاّ لاستوى فيها جميع الأحوال مع أنّها مخصوصة بأن تكون في الصّلاة الكاملة من مصلّ بالغ . قال ابن عابدين: ورجّح في البحر القول الثّاني لموافقته القياس ، لأنّها ليست خارجا نجسا بل هي صوت كالكلام والبكاء ، ولموافقته للأحاديث المرويّة فيها ، إذ ليس فيها إلاّ الأمر بإعادة الوضوء والصّلاة ولا يلزم منه كونها حدثا .
16 -وفائدة الخلاف في القولين تظهر في جواز مسّ المصحف وكتابة القرآن ، فمن جعلها حدثا منع كسائر الأحداث ، ومن أوجب الوضوء عقوبة وزجرا جوّز .
أكل لحم الجزور:
17 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء كأكل سائر الأطعمة لما روى ابن عبّاس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: { الوضوء ممّا يخرج وليس ممّا يدخل } ولما روى جابر قال: { كان آخر الأمرين من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء ممّا مسّته النّار } ولأنّه مأكول أشبه سائر المأكولات في عدم النّقض ، والأمر بالوضوء فيه محمول على الاستحباب أو الوضوء اللّغويّ وهو غسل اليدين . وصرّح الحنابلة - وهو أحد قولي الشّافعيّ - بأن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كلّ حال نيئا ومطبوخا ، عالما كان الآكل أو جاهلا . لقوله عليه الصلاة والسلام: { توضّئوا من لحوم الإبل ولا تتوضّئوا من لحوم الغنم } . وقالوا: إنّ وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور تعبّديّ لا يعقل معناه فلا يتعدّى إلى غيره ، فلا يجب الوضوء بشرب لبنها ، ومرق لحمها ، وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها وكرشها ونحوه .
غسل الميّت:
18 -ذهب جمهور الفقهاء وهو قول بعض الحنابلة: إلى عدم وجوب الوضوء بتغسيل الميّت ، لأنّ الوجوب يكون من الشّرع ، ولم يرد في هذا نصّ فبقي على الأصل . ولأنّه غسل آدميّ فأشبه غسل الحيّ ، وما روي عن أحمد في هذا محمول على الاستحباب . ويرى أكثر الحنابلة أنّ من غسّل الميّت أو بعضه ولو في قميص يجب عليه الوضوء سواء أكان المغسول صغيرا أم كبيرا ، ذكرا أم أنثى ، مسلما أم كافرا . لما روي عن ابن عمر وابن عبّاس رضي الله عنهم أنّهما كانا يأمران غاسل . الميّت بالوضوء ، ولأنّ الغالب فيه أنّه لا يسلم أن تقع يده على فرج الميّت فتقام مظنّة ذلك مقام حقيقته كما أقيم النّوم مقام الحدث .
( الرّدّة ) :
19 -الرّدّة - وهي الإتيان بما يخرج من الإسلام بعد تقرّره - حدث حكميّ تنقض الوضوء عند الحنابلة وهو المشهور عند المالكيّة ، فالمرتدّ إذا عاد إلى الإسلام ورجع إلى دين الحقّ فليس له الصّلاة حتّى يتوضّأ وإن كان متوضّئا قبل ردّته ولم ينقض وضوءه بأسباب أخرى . لقوله تعالى: { ولقد أوحي إليك وإلى الّذين من قبلك لئن أشركت ليحبطنّ عملك } والطّهارة عمل . ونقل عن ابن القاسم من المالكيّة استحباب الوضوء في هذه الحالة . ولم يعدّ الحنفيّة والشّافعيّة الرّدّة من أسباب الحدث فلا ينقض الوضوء بها عندهم لقوله تعالى: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدّنيا والآخرة } فشرط الموت بعد الرّدّة لحبوط العمل - كما قال ابن قدامة . وتفصيله في مصطلح: ( ردّة )
الشّكّ في الحدث: