فهرس الكتاب

الصفحة 881 من 2053

وقال أبو يوسف ومحمّد: يجمع بين التّسميع والتّحميد ، وروي عن أبي حنيفة مثل قولهما . احتجّ أبو حنيفة بما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فإذا كبّر فكبّروا ، وإذا قرأ فأنصتوا ، وإذا قال: ولا الضّالّين فقولوا: آمين ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قال: سمع اللّه لمن حمده فقولوا: ربّنا لك الحمد » قسم التّحميد والتّسميع بين الإمام والقوم فجعل التّحميد لهم والتّسميع له ، وفي الجمع بين الذّكرين من أحد الجانبين إبطال هذه القسمة ، ولأنّ إتيان الإمام بالحمد يؤدّي إلى جعل التّابع متبوعًا تابعًا ، وهذا لا يجوز ، بيان ذلك أنّ الذّكر يقارن الانتقال ، فإذا قال الإمام: سمع اللّه لمن حمده ، يقول المقتدي مقارنًا له: ربّنا لك الحمد ، فلو قالها الإمام بعد ذلك لوقع قوله بعد قول المقتدي ، فينقلب المتبوع تابعًا والتّابع متبوعًا ، ومراعاة التّبعيّة في جميع أجزاء الصّلاة واجبة بقدر الإمكان .

وإن كان المصلّي مقتديًا يأتي بالحمد لا غير . وإن كان منفردًا يجمع بينهما على المعتمد من أقوال ثلاثة مصحّحة ، أحدها هذا ، والثّاني أنّه كالمؤتمّ ، والثّالث أنّه كالإمام .

15 -واختلف في المختار من ألفاظ الحمد عند الحنفيّة: قال الحصكفيّ: أفضله: اللّهمّ ربّنا ولك الحمد ، ثمّ حذف الواو ، ثمّ حذف اللّهمّ فقط ، وأضاف ابن عابدين: وبقي رابعة هي: حذف اللّهمّ والواو ، ثمّ قال: الأربعة في الأفضليّة على هذا التّرتيب كما أفاده بالعطف بثمّ . قال الكاسانيّ: والأشهر ربّنا لك الحمد .

16 -وأمّا المقتدي فيندب له أن يقول: ربّنا ولك الحمد بعد قول الإمام: سمع اللّه لمن حمده . والفذّ ( المنفرد ) يجمع بينهما ، فهو مخاطب بسنّة ومندوب والتّرتيب بينهما مستحبّ على الظّاهر ، فيسنّ له أن يقول: سمع اللّه لمن حمده ، ويندب له أن يقول بعد ذلك: ربّنا ولك الحمد .

وذهب الشّافعيّة إلى أنّ المصلّي إذا استوى قائمًا من ركوعه استحبّ له أن يقول: ربّنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه ملء السّموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثّناء والمجد ، أحقّ ما قال العبد وكلّنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ ، قال الشّافعيّ والأصحاب: يستوي في استحباب هذه الأذكار كلّها الإمام والمأموم والمنفرد ، يجمع كلّ واحد منهم بين قوله بسمع اللّه لمن حمده وربّنا لك الحمد إلى آخره . والجمع بين التّسميع والتّحميد للإمام والمنفرد هو قول لأبي يوسف ومحمّد ، واحتجّ أبو يوسف ومحمّد بما ورد « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الرّكوع قال: سمع اللّه لمن حمده ، ربّنا لك الحمد » وغالب أحواله صلى الله عليه وسلم أنّه كان هو الإمام ، ولأنّ الإمام منفرد في حقّ نفسه ، والمنفرد يجمع بين هذين الذّكرين فكذا الإمام ، ولأنّ التّسميع تحريض على الحمد فلا ينبغي أن يأمر غيره بالبرّ وينسى نفسه كي لا يدخل تحت قوله تعالى: { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بالبِرِّ وَتَنْسَونَ أَنْفُسَكُمْ } قال ابن عابدين: لكن المتون على قول الإمام .

وقال النّوويّ: وهذا لا خلاف فيه عندنا ، لكن قال الأصحاب: إنّما يأتي الإمام بهذا كلّه إذا رضي المأمومون بالتّطويل وكانوا محصورين ، فإن لم يكن كذلك اقتصر على قوله: سمع اللّه لمن حمده ربّنا لك الحمد .

قال الشّافعيّ والأصحاب: ولو قال: ولك الحمد ربّنا أجزأه ، لأنّه أتى باللّفظ والمعنى ، ولكن الأفضل قوله: ربّنا لك الحمد على التّرتيب الّذي وردت به السّنّة .

وقال صاحب الحاوي وغيره: يستحبّ للإمام أن يجهر بقوله سمع اللّه لمن حمده ليسمع المأمومون ويعلموا انتقاله كما يجهر بالتّكبير ، ويسرّ بقوله ربّنا لك الحمد لأنّه يفعله في الاعتدال فيسرّ به كالتّسبيح في الرّكوع والسّجود ، وأمّا المأموم فيسرّ بهما كما يسرّ بالتّكبير ، فإن أراد تبليغ غيره انتقال الإمام كما يبلّغ التّكبير جهر بقوله سمع اللّه لمن حمده ، لأنّه المشروع في حال الارتفاع .

ولا يجهر بقوله ربّنا لك الحمد ، لأنّه إنّما يشرع في حال الاعتدال .

وقال الحنابلة: إذا استتمّ المصلّي قائمًا من ركوعه قال: ربّنا ولك الحمد ملء السّموات والأرض وملء ما شئت من شيء بعد ، لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: سمع اللّه لمن حمده حين يرفع صلبه من الرّكوع ثمّ يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد » متّفق عليه ، ولما روى عليّ رضي الله تعالى عنه قال: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الرّكوع قال: اللّهمّ ربّنا لك الحمد ملء السّموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد » .

ونقل عن أحمد أنّ المصلّي إن شاء زاد على ذلك قوله: « أهل الثّناء والمجد ، أحقّ ما قال العبد ، وكلّنا لك عبد ، اللّهمّ لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ » رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقوله ، أو يقول المصلّي غير ذلك ممّا ورد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت