فهرس الكتاب

الصفحة 882 من 2053

والصّحيح - عند الحنابلة - أنّ المنفرد يقول كما يقول الإمام ، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم روي عنه أنّه قال لبريدة: « إذا رفعت رأسك في الرّكوع فقل: سمع اللّه لمن حمده ، اللّهمّ ربّنا ولك الحمد ، ملء السّماء وملء الأرض وملء ما شئت بعد » وهذا عامّ في جميع أحواله ، وقد روي أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك ولم تفرّق الرّواية بين كونه إمامًا ومنفردًا ، ولأنّ ما شرع من القراءة والذّكر في حقّ الإمام شرع في حقّ المنفرد ، كسائر الأذكار . والمأموم يحمد - أي يقول: ربّنا ولك الحمد - فقط في حال رفعه من الرّكوع ، لما روى أنس وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: إذا قال الإمام: سمع اللّه لمن حمده فقولوا: ربّنا ولك الحمد » .

فأمّا قول « ملء السّموات . . . » وما بعده فلا يسنّ للمأموم لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اقتصر على أمرهم بقول: « ربّنا ولك الحمد » فدلّ على أنّه لا يشرع لهم سواه .

وللمصلّي - إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا - قول"ربّنا لك الحمد"بلا واو لورود الخبر بذلك ، وبالواو أفضل للاتّفاق عليه من حديث ابن عمر وأنس وأبي هريرة رضي الله عنهم ، ولكونه أكثر حروفًا ، ويتضمّن الحمد مقدّرًا ومظهرًا ، فإنّ التّقدير ربّنا حمدناك ولك الحمد ، لأنّ الواو للعطف ، ولمّا لم يكن في الظّاهر ما يعطف عليه دلّ على أنّ في الكلام مقدّرًا .

وإن شاء المصلّي قال:"اللّهمّ ربّنا لك الحمد"بلا واو ، وهو أفضل منه مع الواو وإن شاء قاله بواو . وذلك بحسب الرّوايات صحّةً وكثرةً وضدّهما .

وإذا رفع المصلّي رأسه من الرّكوع فعطس فقال: ربّنا ولك الحمد ، ينوي بذلك لما عطس وللرّفع ، فروي عن أحمد أنّه لا يجزئه ، لأنّه لم يخلصه للرّفع من الرّكوع . وقال ابن قدامة: والصّحيح أنّ هذا يجزئه ، لأنّه ذكر لا تعتبر له النّيّة وقد أتى به فأجزأه ، كما لو قاله ذاهلًا وقلبه غير حاضر ، وقول أحمد يحمل على الاستحباب لا على نفي الإجزاء حقيقةً .

ويسنّ جهر الإمام بالتّسميع ليحمد المأموم عقبه ، ولا يسنّ جهر الإمام بالتّحميد ، لأنّه لا يعقبه من المأموم شيء فلا فائدة في الجهر به . ( ر: مصطلح تحميد ) .

سادسًا: الحمد بعد الصّلاة:

17 -اتّفق الفقهاء على استحباب الحمد بعد الصّلاة ، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة منها: ما رواه الشّيخان عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصّلاة وسلّم قال: لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كلّ شيء قدير ، اللّهمّ لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ » وما رواه الشّيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: « أنّ فقراء المهاجرين أتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أصحاب الدّثور بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم ، يصلّون كما نصلّي ، ويصومون كما نصوم ، ولهم فضل من أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون ، قال صلى الله عليه وسلم: ألا أعلّمكم شيئًا تدركون به من سبقكم ، وتسبقون به من بعدكم ، ولا يكون أحد أفضل منكم إلاّ من صنع ما صنعتم ؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه ، قال: تسبّحون وتحمدون وتكبّرون خلف كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين » . وتفصيل هذا في مصطلح ( تحميد ) .

سابعًا: الحمد في الخطب المشروعة:

18 -الحمد مطلوب في الخطب المشروعة ، وهي عشر أو ثمان أو أدنى من ذلك أو أكثر ، على تفصيل يذكر في موطنه ، ومن ذلك:

أ - الحمد في خطبتي الجمعة:

19 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ لفظ الحمد لا يشترط في خطبة الجمعة ، فلو ذكر الخطيب اللّه تعالى على قصد الخطبة بقوله: الحمد للّه أو سبحان اللّه أو لا إله إلاّ اللّه جاز عنده في أركان الخطبة ، أمّا إذا قال ذلك لعطاس أو تعجّب فلا يجوز ، واستدلّ بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } . من غير فصل ، فكان الشّرط الذّكر الأعمّ . وذهب المالكيّة إلى أنّ الحمد في خطبة الجمعة مندوب .

وقال الشّافعيّة والحنابلة: من أركان خطبتي الجمعة حمد اللّه تعالى للاتّباع ، روى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: « كانت خطبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد اللّه ويثني عليه » . الحديث ، ولفظ الحمد متعيّن للتّعبّد به ، فلا يكفي نحو: لا إله إلاّ اللّه ولا نحو: الشّكر للّه ، ولا غير لفظ اللّه كالرّحمن ، ويكفي مصدر الحمد وما اشتقّ منه وإن تأخّر كـ"للّه الحمد". والتّفصيل في صلاة الجمعة .

ب - الحمد في خطبتي العيدين:

20 -خطبتا العيدين كخطبتي الجمعة ، لكنّهما بعد الصّلاة في العيدين ، ويبدأ فيهما بالتّكبير ، وحكم الحمد فيهما كحكمه في خطبتي الجمعة على الخلاف والتّفصيل السّابقين .

وتفصيله في صلاة العيد .

ج - الحمد في خطبتي الاستسقاء:

21 -اختلف الحنفيّة في خطبتي الاستسقاء ، فذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا خطبة في الاستسقاء ، وذهب أبو يوسف إلى أنّ فيه خطبتين ، وذهب محمّد إلى أنّ فيه خطبةً واحدةً . وعندهما أنّه يبدأ بالتّحميد في الخطبة .

والحمد في خطبتي الاستسقاء عند المالكيّة كالحمد في خطبتي العيد .

وقال الشّافعيّة: إنّ الحمد ركن من أركان خطبتي الاستسقاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت