فإن كان المؤمن لا ينجس، فلا وجه لجعل الماء فاقدًا للطهورية لمجرد مماسته له .. فهو عبارة عن التقاء طاهر بطاهر.
وحُكمه أنه طهور ما دام حافظًا لإطلاقه، فإن خرج عن إطلاقه بحيث صار لا يتناوله اسم الماء المطلق كان طاهرًا في نفسه، غير مُطهر لغيره فعن أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم، حين توفيت ابنته"زينب"فقال:"اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك - إن رأيتن - بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني"فلما فرغنا آذناه، فأعطانا حِقوه فقال:"أشعرنها إياه"تعني: إزاره، رواه الجماعة. والميت لا يغسل إلا بما يصح به التطهير للحي، وعند أحمد والنسائي وابن خزيمة من حديث أم هانيء: أن النبي - صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد: قصعة فيها أثر العجين، ففي الحديثين وُجِدَ الاختلاط، إلا أنه لم يبلغ بحيث يسلب عنه إطلاق اسم الماء عليه.
القسم الرابع: الماء الذي لاقته النجاسة:
وله حالتان:
الأولى: أن تغير النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه وهو في هذه الحالة لا يجوز التطهر به إجماعًا، نقل ذلك ابن المنذر وابن الملقن.
الثانية: أن يبقى الماء على إطلاقه: بأن لا يتغير أحد أوصافه الثلاثة. وحُكمه أنه طاهر مُطهر، قل أو كثر دليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بُضاعة فقال - صلى الله عليه وسلم:"الماء طهور لا ينجسه شيء"رواه أحمد والشافعي وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، وقال أحمد حديث بئر بضاعة صحيح وصححه يحيى بن معين وأبو محمد بن حزم وصححه الألباني في إرواء الغليل (14) .
وإلى هذا ذهب ابن عباس وأبو هريرة والحسن البصري وابن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلى والثوري وداود الظاهري والنخعي ومالك وغيرهم [وبئر بضاعة هي بئر في المدينة كان يُلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن] .
القسم الخامس: السؤر
السؤر: هو ما بقي في الإناء بعد الشرب وهو أنواع:
1.سؤر الآدمي:
وهو طاهر من المسلم والكافر والجنب والحائض. وأما قول الله تعالى:"إنما المشركون نجس"فالمراد به نجاستهم المعنوية، من جهة اعتقادهم الباطل، وعدم تحرزهم من الأقذار والنجاسات، لا أن أعيانهم وأبدانهم نجسة، وقد كانوا يخالطون المسلمين، وترد رسلهم ووفودهم على النبي - صلى الله عليه وسلم ويدخلون مسجده، ولم يأمر بغسل شيء مما أصابته أبدانهم، وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي - صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع ِفيّ"رواه مسلم.
2.سؤر ما يؤكل لحمه:
وهو طاهر، لأن لعابه متولد من لحم طاهر فأخذ حُكمه، قال أبو بكر بن المنذر: أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أٌكل لحمه يجوز شربه والوضوء به.
3.سؤر البغل والحمار والسباع وجوارج الطير:
ذهب بعض العلماء إلى أنه طاهر لحديث جابررضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم، سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال نعم، وبما أفضلت السباع كلها"أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي، وقال: له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية."