فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 503

سواهن. قال عروة: قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم فيهن، فأنزل الله عز وجل:"يستفتونك في"

النساء، قل الله يُفتيكم فيهنَّ، وما يُتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كُتب لهن، وترغبون أن تنكحوهن"قالت: والذي ذكر الله أنه يُتلى عليهم في الكتاب الآية التي قال الله سبحانه فيها:"وإن خفتم أن لا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء""

معنى الآية:

ويكون معنى الآية على هذا أن الله سبحانه وتعالى يُخاطب أولياء اليتامى فيقول: إذا كانت اليتيمة في حجر أحدكم وتحت ولايته، وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل عنها إلى غيرها من النساء. فإنهن كثيرات، ولم يُضيق الله عليه فأحل له من واحدة إلى أربع. فإن خاف أن يجور إذا تزوج أكثر من واحدة، فواجب عليه أن يقتصر على واحدة، أو ما ملكت يمينه من الإماء.

إفادتها الاقتصار على أربع:

قال الشافعي: وقد دلت سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. وهذا الذي قاله الشافعي مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكى عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع نسوة، وقال بعضهم بلا حصر.

وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيح. وقد رد الإمام القرطبي على هؤلاء فقال: اعلم أن هذا العدد"مثنى"و"ثلاث"و"رباع"لا يدل على إباحة تسع كما قاله من بَعُدَ فهمه للكتاب والسُّنّة، وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة، وزعم أن الواو جماعة. وعضّد ذلك بأن النبي نكح تسعًا، وجمع بينهن في عصمته، والذي صار إلى هذه الجهالة، وقال هذه المقالة: الرافضة وبعض أهل الظاهر، فجعلوا"مثنى"مثل اثنين اثنين، وكذلك ثُلاث، ورُباع.

وذهب بعض أهل الظاهر أيضًا إلى أقبح منها، فقالوا: بإباحة الجمع بين ثماني عشرة تمسكًا منهم بأن العدد في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع. فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثُلاث ورباع. وهذا كله جهل باللسان (اللغة) والسُّنّة، ومخالفة لإجماع الأمة، إذ لم يُسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع.

وأخرج مالك في الموطأ، والنسائي، والدارقطني، في سننهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة:"اختر منهن أربعًا، وفارق سائرهن"قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم فقال:"اختر منهن أربعًا"حسنه الألباني في إرواء الغليل.

وجوب العدل بين الزوجات:

أباح الله تعدد الزوجات وقصره على أربع، وأوجب العدل بينهن في الطعام والسكن والكسوة والمبيت، وسائر ما هو مادي من غير تفرقة بين غنية وفقيرة، وعظيمة وحقيرة، فإن خاف الرجل الجور وعدم الوفاء بحقوقهن جميعًا حرم عليه الجمع بينهن، فإن قدر على الوفاء بحق ثلاث منهن دون الرابعة حرم عليه العقد عليها. فإن قدر على الوفاء بحق اثنتين دون الثالثة حرم عليه العقد عليها. وكذلك من خاف الجور بزواج الثانية حرمت عليه لقول الله تعالى:"فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثُلاث ورُباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا"أي أقرب ألا تجوروا.

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل"رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه وصححه الألباني في المشكاة (3236) .

ولا تعارض بين ما أوجبه الله من العدل في هذه الآية وبين ما نفاه الله في الآية الأخرى من سورة النساء وهي:"ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم، فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمُعلقة".

فإن العدل المطلوب هو العدل الظاهر المقدور عليه، وليس هو العدل في المودة والمحبة، فإن ذلك لا يستطيعه أحد، بل العدل المنفي هو العدل في المحبة والمودة والجماع.

قال محمد بن سيرين: سألت عبيدة عن هذه الآية فقال: هو الحب والجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت