قوله: فأذن وأقام: دليل على مشروعية الأذان والإقامة في الصلاة المقضية. معنى عرّسنا: أي نزل القوم في آخر الليل للاستراحة .
[انظر نيل الأوطار، المجلد الأول، الجزء الثاني ص 60.]
وإذا تعددت الفوائت، استحب له أن يؤذن ويقيم للأولى، ثم يقيم لكل صلاة إقامة، لحديث أبي سعيد الخدري:"شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر، حتى غابت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله عز وجل:"وكفى الله المؤمنين القتال"، فأمر بلالًا فأذن و أقام فصلى الظهر، ثم أمره فأقام فصلى العصر، ثم أمره فأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأقام فصلى العشاء"أخرجه النسائي
والبيهقي وغيرهما والحديث صحيح [انظر الإرواء ص 257] .
قال صاحب المغني: ومن دخل مسجدًا قد صُلي فيه، فإن شاء أذن وأقام. نص عليه أحمد لما روى الأثرم وسعيد بن منصورعن أنس: أنّه دخل مسجدًا قد صلوا فيه، فأمر رجلًا، فأذن بهم، وأقام وصلى بهم في جماعة. قد علقه البخاري. وإن شاء صلى من غير أذان ولا إقامة فإنّ عروة قال: إذا انتهيت إلى مسجد قد صلى فيه أناس أذنوا وأقاموا فإنَّ أذانهم وإقامتهم تجزئ عمن جاء بعدهم ... وهذا قول الحسن والشعبي والنخعي إلاّ أن الحسن قال: كان أحب إليهم أن يقيم، وإذا أذن فالمستحب أن يخفى ذلك ولا يجهر به لئلا يغر الناس بالأذان في غير محله.
الفصل بين الإقامة والصلاة:
يجوز الفصل بين الإقامة والصلاة بالكلام وغيره ولا تُعاد الإقامة،
وإن طال الفصل، فعن أنس بن مالك قال:"أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم يناجي رجلًا في جانب المسجد فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم"رواه البخاري.
ما أضيف إلى الأذان وليس منه:
الأذان عبادة، ومدار الأمر في العبادات على الإتباع، فلا يجوز لنا أن نزيد شيئًا في ديننا أو ننقص منه، وفي الحديث الصحيح:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ"صحيح صححه الألبانى في صحيح الجامع [رد: أي باطل.]
ونحن نشير هنا إلى أشياء غير مشروعة درج عليها الكثير، حتى خُيل للبعض أنها من الدين، وهي ليست منه في شيء، ومن ذلك:
(1) قول المؤذن حين الأذان والإقامة:"أشهد أنَّ سيدنا محمدًا رسول الله"، فقد رأى الحافظ بن حجر أنّه لا يُزاد ذلك في الكلمات المأثورة، ويجوز أن يزاد في غيرها.
(2) ما رُوي عن بعض الصوفية أنّ الخضر عليه السلام قال: من قال حين يسمع المؤذن يقول: أشهد أنَّ محمد رسول الله، مرحبًا بحبيبي وقرة عيني محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم ثم يقبل إبهاميه ويجعلها على عينيه لم يعمَ ولم يرمد أبدًا.
وهذه روايات ما أنزل الله بها من سلطان في سندها انقطاع ومجاهيل كثيرة.
(3) التغني في الأذان واللحن فيه بزيادة حرف أو حركة مد، وهذا مكروه، فعن يحيى البكّاء قال: رأيت ابن عمر يقول لرجل: إنّي لأبغضك في الله، ثم قال لأصحابه: إنّه يتغنى في أذانه ويأخذ عليه أجرًا.
(4) التسبيح قبل الفجر: بالنسبة للتسبيح والنشيد ورفع الصوت بالدعاء ونحوه في المآذن، فليس بمسنون وما من أحدٍ من العلماء قال إنه يستحب، بل هو من جملة البدع المكروهة لأنّه لم يكن في عهده - صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أصحابه، وليس له أصل، فليس لأحدٍ أن يأمر به، ولا ينكر على من تركه لأنّه إعانة على بدعة ولا يلزم فعله، وفي كتاب (تلبيس إبليس) لعبد الرحمن بن الجوزي: وقد رأيت من يقوم بليل كثير (أي بجزء كبير من الليل) على المنارة فيعظ ويذكر ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكلُّ ذلك من المنكرات، وقال الحافظ في الفتح: ما أُحدث من التسبيح قبل لصبح وقبل الجمعة، ومن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم، ليس من الأذان لا لغةً ولا شرعًا"."