ومنها ما لا يجب الوفاء به مع صحة العقد، وهو ما كان منافيًا لمقتضى العقد كاشتراط ترك الإنفاق والوطء أو كاشتراط أن لا مهر لها، أو اشتراط أن تنفق عليه، أو لا يكون عندها في الأسبوع إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها، لأنها تُنافي العقد، ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، أما العقد نفسه فهو صحيح.
ومن الشروط ما يعود نفعه وفائدته إلى المرأة، مثل أن يشترط لها ألا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يُسافر بها أو لا يتزوج عليها ونحو ذلك. فمن العلماء من رأى أن الزواج صحيح وأن هذه الشروط ملغاة ولا يلزم الزوج الوفاء بها. ومنهم من ذهب إلى وجوب الوفاء بما اشترط للمرأة فإن لم يف لها فسخ الزواج. والأول مذهب أبي حنيفة والشافعي وكثير من أهل العلم، واستدلوا بما يأتي:
1 -أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"المسلمون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا". قالوا وهذا الشرط الذي اشترط يحرم الحلال، وهو التزويج والتسري والسفر وهذه كلها حلال.
2 -قوله - صلى الله عليه وسلم"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط". أخرجه البخاري ومسلم.
3 -قالوا: إن هذه الشروط ليست من مصلحة العقد ولا مقتضاه.
والرأي الثاني مذهب عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وطاووس والأوزاعي وإسحاق والحنابلة، واستدلوا عليه بما يأتي:
1 -يقول الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود".
2 -وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"المسلمون على شروطهم".
3 -روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عقبة بن عامر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج".
4 -روى الأثرم بإسناده: أن رجلًا تزوج امرأة وشرط لها دارها، ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر بن الخطاب، فقال لها شرطها (مقاطع الحقوق عند الشروط) صححه الألباني في إرواء الغليل.
5 -ولأنه شرط لها فيه منفعة ومقصود، لا يمنع المقصود من الزواج فكان لازمًا كما لو شرطت عليه زيادة المهر. قال قتادة مرجحًا هذا الرأي ومفندًا الرأي الأول: إن قول من سَمَّينا من الصحابة، لا نعلم له مخالفًا في عصرهم، فكان إجماعًا.
وقول الرسول عليه الصلاة والسلام:"كل شرط ... الخ". أي ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع، وقد ذكرنا ما دل على مشروعيته، على أن الخلاف في مشروعيته، ومن نفى ذلك فعليه الدليل.
وقولهم: إن هذا يحرم الحلال، قلنا: لا يحرم حلالًا، وإنما يثبت للمرأة خيار الفسخ إن لم يف لها به. وقولهم: ليس من مصلحته، قلنا: لا نُسلِّم بذلك فإنه من مصلحة المرأة، وما كان من مصلحة العاقد كان من مصلحة عقده.
وقال ابن رشد: وسبب اختلافهم معارضة العموم للخصوص، فأما العموم فحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته:"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مائة شرط". وأما الخصوص، فحديث عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج". والحديثان صحيحان، أخرجهما البخاري ومسلم. إلا أن المشهور عند الأصوليين القضاء بالخصوص على العموم، وهو"لزوم الشروط".
4 -الشروط التي نهى الشارع عنها:
ومن الشروط ما نهى الشارع عنها ويحرم الوفاء بها. وهي اشتراط المرأة عند الزواج طلاق ضرَّتها. فعن أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم:"نهى أن يخطب الرجل على خِطبة أخيه أو يبيع على بيعه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفيء ما في صحفتها أو إنائها فإنما رزقها على الله تعالى"متفق عليه. وفي لفظ متفق عليه:- [نهي أن تشترط المرأة طلاق أختها.]
معنى تكفيء: أي تميل. ومعنى الحديث: نهى المرأة الأجنبية أن تسأل رجلًا طلاق زوجته ويتزوجها فيصير لها من نفقته ومعونته ومعاشرته ما كان للمُطلقة.
فإن قيل: فما الفارق بين هذا وبين اشتراطها أن لا يتزوج عليها، حتى صححتم هذا، وأبطلتم شرط طلاق الضُرة.