عقد القرض: وعقد القرض عقد تمليك فلا يتم إلا ممن يجوز له التصرف، ولا يتحقق إلا بالإيجاب والقبول كعقد البيع والهبة، وينعقد بلفظ القرض والسلف وبكل لفظ يؤدي إلى معناه، ويجوز للمقترض أن يرد مثله أو عينه سواء أكان مثليًا أو غير مثلي ما لم يتغير بزيادة أو نقص فإن تغير وجب رد المثل.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز اشتراط الأجل في القرض، لأنه تبرع محض، وللمقرض أن يطالب ببدله في الحال، فإذا أجَّل القرض إلى أجل معلوم لم يتأجل وكان حالًا.
قال مالك: يجوز اشتراط الأجل ويلزم الشرط، فإذا أجل القرض إلى أجل معلوم تأجل ولم يكن له حق المطالبة قبل حلول الأجل لقول الله تعالى:"إذا تداينتم بدين إلى أجل مُسمى" (البقرة) .
ولما رواه عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"المسلمون عند شروطهم"رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطي، وهو حديث صحيح وما ذهب إليه الإمام مالك هو القول الراجح عندي لأنه يتفق مع روح الآية القرآنية والأحاديث الصحيحة.
ما يصح فيه القرض:
يجوز قرض الثياب والحيوان، فقد ثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم استلف بكرًا، كما يجوز قرض ما كان مكيلًا أو موزونًا أو ما كان من عروض التجارة. [بكرًا: أى الثني من الإبل، وهو ما أكمل خمس سنوات ودخل في السادسة وهو الفتي من الإبل] .
كل قرض جر نفعًا فهو ربا:
إن عقد القرض يُقصد به الرفق بالناس ومعاونتهم على شئون العيش وتيسير وسائل الحياة، وليس هو وسيلة من وسائل الكسب ولا أسلوبًا من أساليب الاستغلال.
ولهذا لا يجوز أن يرد المقترض إلى المقرض إلا ما اقترضه منه أو مثله تبعًا للقاعدة الفقهية القائلة: كل قرض جر نفعًا فهو ربا (هذه القاعدة صحيحة شرعًا وإن لم يثبت فيها حديث صحيح) .
والحرمة مقيدة هنا بما إذا كان نفع القرض مشروطًا أو متعارفًا عليه، فإن لم يكن مشروطًا ولا متعارفًا عليه فللمقترض أن يقضي خيرًا من القرض في الصفة أو يزيد عليه في المقدار، وللمقرض حق الأخذ دون كراهة لما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السُنن عن أبي رافع قال: استلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم من رجل بكرًا، فجاءته إبل الصدقة، فأمرني أن أقضي الرجل بكرًا فقلت: لم أجد في الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"أعطه إياه فإن خيركم أحسنكم قضاء" (الجمل الرباعي: هو الذي استكمل ست سنوات ودخل في السابعة. البكر: أي الثنى من الإبل الذي أكمل خمس سنوات ودخل في السادسة)
وقال جابر بن عبد الله:"كان لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم حق فقضاني وزادني"رواه أحمد والبخاري ومسلم.
التعجيل بقضاء الدين قبل الموت:
ثبت في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم أنه قال:"والذي نفسي بيده، لو أن رجلًا قتل في سبيل الله ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله ثم عاش، ثم قتل في سبيل الله ما دخل الجنة حتى يقضي دينه"أخرجه النسائي وحسنه محقق جامع الأصول (2550) .
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال:"كان رسول الله لا يُصلّي على رجل مات وعليه دين، فأُتي بميت، فقال: أعليه دين؟ قالوا: نعم، ديناران. فقال:"صلوا على صاحبكم". فقال أبو قتادة الأنصاري: هما عليّ يا رسول الله. قال: فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فلما فتح الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم قال:"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك دينًا فعليّ قضاؤه ومن ترك مالًا فلورثته". أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن"
أبي هريرة.
وحديث البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"من أخذ أموال الناس يُريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله".