عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"متفق عليه.
وعن جُندب قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم يقول:"ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك". رواه مسلم.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي - صلى الله عليه وسلم تذاكر بعض نسائه كنيسةً بأرض الحبشة يُقال لها: مارية، وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة، فذكرن من حسنها وتصاويرها قالت: فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم رأسه فقال:"أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح بَنَوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"رواه أحمد وابن سعد وأبو يعلى في مسنده والحميدي وأبو نعيم في الحلية بسند صحيح.
عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول:"إن من شرار الناس من تدركه الساعة ومن يتخذ القبور مساجد"رواه ابن خزيمة، وابن حبان، وابن أبي شيبة وأحمد، والطبراني وأبو يعلى في مسنده وأبو نعيم في"أخبار أصبهان"بإسناد حسن.
معنى اتخاذ القبور مساجد: الذي يُفهم من هذا الاتخاذ إنما هو ثلاثة معان حتى نحذره:
الأول: الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها.
الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.
الثالث: بناء المساجد عليها، وقصد الصلاة فيها.
ويشهد للمعنى الأول: أحاديث صريحة صحيحة عن سيد الأنبياء - صلى الله عليه وسلم: أن أبي سعيد الخدري:"أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم نهى أن يُبنى على القبور أو يُقعد عليها أو يُصلى عليها"رواه أبو يعلى في"مسنده"وإسناده صحيح.
قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تُصلّوا إلى قبر ولا تصلوا على قبر"رواه الطبراني في"المعجم الكبير"، والضياء المقدسي في"المختارة"والحديث صحيح.
ويشهد للمعنى الثاني أحاديث صحيحه صريحة منها:
قوله - صلى الله عليه وسلم:"لاتجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها"رواه مسلم وغيره.
ويشهد للمعنى الثالث: الحديث المتقدم بلفظ"أولئك قوم إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنو على قبره مسجدًا .. أولئك شرار الخلق ..."
فهو نص صريح في تحريم بناء المسجد على قبور الأنبياء والصالحين، لأنه - صلى الله عليه وسلم صرَّح أنه من أسباب كونهم من شرار الخلق عند الله.
ويؤيده حديث جابر رضي الله عنه قال:"نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم أن يُجصَّص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يُبنى عليه". رواه مسلم وغيره.
ومن المعروف ضمنًا أن الشارع إذا أمر ببناء المساجد فهو يأمرنا ضمنًا بالصلاة فيها لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور، فهو ينهى ضمنًا عن الصلاة فيها، لأنها هي المقصودة بالبناء أيضًا وهذا بيِّن لا يخفى على العاقل إن شاء الله تعالى.
هذا وقد اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم اتخاذ المساجد على القبور، ومنهم من صرح بأنها كبيرة ... فقد ذهب الشافعية إلى أنها كبيرة، والكراهة عند الشافعية هي الكراهة التحريمية، وذهب الحنفية إلى الكراهة التحريمية، ومذهب المالكية التحريم وأيضًا مذهب الحنابلة التحريم، بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور، ووجوب هدمها، فقال ابن القيم في"زاد المعاد (3/ 22) في صدد بيان ما تضمنته غزوة تبوك من الفقة والفوائد، وبعد أن ذكر قصة مسجد الضِّرار الذي نهى الله تبارك وتعالى نبيه أن يُصلي فيه، وكيف أنه - صلى الله عليه وسلم هدمه وحرَّقه قال:"ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسوله فيها، وهدمها كما حرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه وهو مسجد يُصلى فيه، ويُذكر اسم الله