الزواج سنة من سنن الله تعالى:
الزوجية سُنة من سُنن الله في الخلق والتكوين، وهي عامة مُطّردة، لا يشذُّ عنها عالم الإنسان، أو عالم الحيوان، أو عالم النبات. (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) .الذاريات 49.
"سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تُنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون".يس 36.
وهي الأسلوب الذي اختاره الله للتوالد والتكاثر، واستمرار الحياة، بعد أن أعد كلا الزوجين وهيأهما، بحيث يقوم كل منهما بدور إيجابي في تحقيق هذه الغاية:
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى"الحجرات 13.
"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً"النساء 1.
ولم يشأ الله أن يجعل الإنسان كغيره من العوالم، فيدع غرائزه تنطلق دون وعي، ويترك اتصال الذكر بالأنثى فوضى لا ضابط له، بل شرع له نظام الزواج الذي من شأنه أن يحفظ شرفه ويصون كرامته.
الترغيب في الزواج:
وقد رغَّب الإسلام في الزواج بصور متعددة، فتارة يذكر أنه من سُنن الأنبياء وهُدى المرسلين، وأنهم القادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهداهم"ولقد أرسلنا رسلًا من قبلك، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية"وتارة يذكره في معرض الامتنان:"والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، ورزقكم من الطيبات".
وأحيانًا يتحدث عن كونه آية من آيات الله:"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون".
وقد يتردد المرء في قبول الزواج، فيُحجم عنه خوفًا من الاضطلاع بتكاليفه، وهروبًا من احتمال أعبائه، فيلفت الإسلام نظره إلى أن الله سيجعل الزواج سبيلًا إلى الغنى، وأنه سيحمل عنه هذه الأعباء ويمده بالقوة التي تجعله قادرًا على التغلب على أسباب الفقر.
"وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن يكونوا فقراء يُغنهم الله من فضله، والله واسع عليم" (النور) معنى: الأيامي: وهو الذي لا زوجة له أو التي لا زوج لها"."
وفي حديث الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يُريد العفاف"حسنه الألباني في مشكاة المصابيح (3089) .
وروى مُسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة".
وقد يُخيل للإنسان في لحظة من لحظات يقظته الروحية أن يتبتَّل وينقطع عن كل شأن من شئون الدنيا، فيقوم الليل، ويصوم النهار، ويعتزل النساء، ويسير في طريق الرهبانية المنافية لطبيعة الإنسان فيعلمه الإسلام أن ذلك مُنافٍ لفطرته، ومغاير لدينه، وأن سيد الأنبياء - وهو أخشى الناس لله وأتقاهم له - كان يصوم ويُفطر، ويقوم وينام، ويتزوج النساء، وأنَّ من حاول الخروج عن هديه فليس له شرف الانتساب إليه.
روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال:"جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا - كأنهم تَقالّوها - [أي عدوها قليلة] فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم، وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر."
قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنتي فليس مني".