قال الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يُريد الشيطان أن يُوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون" (المائدة 91) .
وظاهرُُ من هذا أن الله سبحانه عطف على الخمر، الميسر، والأنصاب، والأزلام. وحكم على هذه الأشياء كلها بأنها:
1.رجس: أي خبيث مستقذر عند أولي الألباب.
2.ومن عمل الشيطان وتزيينه ووسوسته.
3.وإذا كان ذلك كذلك، فإن من الواجب اجتنابها والبُعد عنها، ليكون الإنسان معدًا ومهيئًا للفوز والفلاح.
4.وأن إرادة الشيطان بتزيينه تناول الخمر ولعب الميسر إيقاع العداوة والبغضاء بسبب هذا التعاطي، وهذه مفسدة دنيوية.
5.وأن إرادته كذلك الصد عن ذكر الله، والإلهاء عن الصلاة، وهذه مفسدة أخرى دينية.
6.وأن ذلك كله يوجب الانتهاء عن تعاطي شيء من ذلك.
وهذه الآية آخر ما نزل في حُكم الخمر، وهي قاضية بتحريمها تحريمًا قاطعًا.
ثبت في الأحاديث:
عن عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"الخمر أم الخبائث، فمن شربها لم تقبل صلاته أربعون يومًا، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية"والحديث صححه الألباني في صحيح الجامع.
عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لُعن في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمُشترى له". رواه ابن ماجه والترمذي وصححه الألباني في غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام.
عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
وجعل جزاء من يتناولها في الدنيا أن يحرم منها في الآخرة لأنه استعجل شيئًا فجوزى بالحرمان منه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من شرب الخمر في الدُنيا ولم يتب لم يشربها في الآخرة، وإن دخل الجنة"صححه الألباني في صحيح الجامع.
ما هي الخمر:
هى كل ما خامر العقول أي سترها، وأفسدها.
وكل ما من شأنه أن يُسكر يعتبر خمرًا، ولا عبرة بالمادة التي أخذت منه، فما كان مسكرًا من أي نوع من الأنواع فهو خمر شرعًا، ويأخذ حكمه، يستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير أو ما كان من غير هذه الأشياء إذ أن ذلك كله خمر محرم، لضرره الخاص والعام، ولصده عن ذكر الله وعن الصلاة، ولإيقاعه العداوة والبغضاء بين الناس.
والشارع لا يُفرق بين المتماثلات، فلا يُفرق بين شراب مُسكر، وشراب آخر مسكر فيبيح القليل من صنف ويحرم القليل من صنف آخر، بل يُسوي بينهما، وإذا كان قد حرم القليل من أحدهما فإنه كذلك قد حرم القليل من الآخر، وقد جاءت النصوص صريحة لا تحتمل التأويل ولا التشكيك:
1.روى أحمد وأبو داود عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"والحديث صحيح، صححه الألباني في الإرواء.
2.وروى البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال:"أما بعد، أيها الناس: إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل". هذا الذي قاله أمير المؤمنين هو القول الفصل، لأنه أعرف باللغة وأعلم بالشرع، ولم ينقل أن أحدًا من الصحابة خالفه فيما ذهب إليه.