بأن القرآن لا يثبت إلا متواترًا، وأنه لو كان كما قالت عائشة لما خفي على المخالفين، ولا سيما الإمام عليّ وابن عباس. نقول: لو لم يُوَجَّه إلى هذا الرأي هذه الاعتراضات لكان أقوى الآراء، ولهذا عدل الإمام البخاري عن هذه الرواية. وهذا مذهب عبد الله بن مسعود، وإحدى الروايات عن عائشة وعبد الله ابن الزبير، وعطاء، وطاووس، والشافعي، وأحمد في ظاهر مذهبه، وابن حزم، وأكثر أهل الحديث.
3.أنَّ التحريم يثبت بثلاث رضعات فأكثر. لأن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحرم المصة ولا المصتان"وهذا صريح في نفي التحريم بما دون ا لثلاث، فيكون التحريم منحصرًا فيما زاد عليهما. وإلى هذا ذهب أبو عبيد، وأبو ثور، وداود الظاهري، وابن المنذر، ورواية عن أحمد.
الرضاع المُحَرِّم للزواج ما كان في الحولين، وهي ا لمُدة التي بينها الله تعالى وحددها في قوله"والوالدات يُرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يُتم ا لرضاعة"لأن الرضيع في هذه المدة يكون صغيرًا يكفيه اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير جزءًا من المرضعة، فيشترك في الحُرمة مع أولادها. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لا يُحرِّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام"رواه الترمذي وصححه، صححه الألباني في صحيح الجامع. ولو فُطم الرضيع قبل الحولين واستغنى بالغذاء عن اللبن. ثم أرضعته امرأة فإن ذلك الرضاع تثبت به الحرمة عند أبي حنيفة والشافعي، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم"إنما الرضاعة من المجاعة"متفق عليه، وهو القول الراجح."
[فتق الأمعاء: وصلها وغذاها واكتفت به عن غيره] .
الشهادة على الرضاع:
شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع لما رواه عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت:"قد أرضعتكما"قال: فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم. قال: فتنحيت فذكرت ذلك له، فقال: وكيف وقد زعمت أنها أرضعتكما؟ فنهاه عنها. احتج بهذا الحديث: طاووس، والزهري، وابن أبي ذئب، والأوزاعي، ورواية عن أحمد، على أن شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع، وهو الرأي الراجح الموافق للدليل.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يكفي في ذلك شهادة المرضعة، لأنها شهادة على فعل نفسها. وقد أخرج أبو عبيدة عن عمر، والمغيرة بن شعبة، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك. فقال عمر رضي الله عنه:"فَفَرِّق بينهما إن جاءت بِبَيِّنة، وإلا فَخَلِّ بين ا لرجل وامرأته إلا أن يتنزها" (أي يتورعا) . ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة أن تفرق بين زوجين إلا فعلت.
أبوة زوج المرضع للرضيع:
إذا أرضعت امرأة رضيعًا صار زوجها أبا للرضيع، وأخوه عمًا له، لحديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"ائذني لأفلح أخي أبي القُعَيس فإنه عمُّك"وكانت امرأته أرضعت عائشة رضي الله عنها. صححه الألباني في المشكاة برقم (3162) .
التساهل في أمر الرضاعة:
وكثير من الناس يتساهلون في أمر الرضاع، فيرضعون الولد من امرأة، أو من عدة نسوة، دون عناية بمعرفة أولاد المرضعة وأخواتها، ولا أولاد زوجها - من غيرها - وإخوته، ليعرفوا مايترتب عليهم في ذلك من الأحكام، كحرمة النكاح، وحقوق هذه القرابة الجديدة التي جعلها الشارع كالنسب. فكثيرًا ما يتزوج الرجل أخته، أو عمته، أو خالته من الرضاعة، وهو لا يدري والواجب الاحتياط في هذا الأمر، حتى لا يقع الإنسان في المحظور.