فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 503

أعجباه في شِعب بالجبل، فلما دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم قال له: يا محمد أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، فقال عليه الصلاة والسلام: فأين البعيران اللذان غيَّبتَهما بالعقيق في شعب كذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما أطلعك على ذلك إلا الله، وأسلم مع الحارث ابنان له، وأسلمت ابنته أيضًا، فخطبها رسول الله إلى أبيها وتزوجها، فقال الناس: لقد أصبح هؤلاء الأسرى الذين بين أيدينا أصهار رسول الله فَمَنُّوا عليهم بغير فداء.

وتقول عائشة رضي الله عنها:"فما أعلم أن امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية، إذ بتزوج الرسول - صلى الله عليه وسلم إياها أُعتق مائة من أهل بيت من بني المصطلق".

ولمثل هذا تزوج النبي من جويرية، لا لشهوة يقضيها، بل لمصلحة شرعية يبتغيها، ولو كان يبغي الشهوة لأخذها أسيرة حرب بملك اليمين.

الاسترقاق:

إن القرآن لم يرد فيه نص يُبيح الرق، وإنما جاء فيه الدعوة إلى العتق.

ولم يثبت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم ضرب الرق على أسير من الأسارى، بل أطلق أرقاء مكة، وأرقاء بني المصطلق، وأرقاء حُنين.

وثبت عنه أنه - صلى الله عليه وسلم أعتق ما كان عنده من رقيق في الجاهلية، وأعتق كذلك ما أُهدي إليه منهم.

على أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ثبت عنهم أنهم استرقوا بعض الأسرى على قاعدة المعاملة بالمثل، فهم لم يبيحوا الرق في كل صورة من صوره، كما كان عليه العمل في الشرائع الإلهية والوضعية - وإنما حصروه في الحرب المشروعة المعلنة من المسلمين ضد عدوهم الكافر - وألغوا كل الصور الأخرى، واعتبروها محرمة شرعًا لا تحل بحال.

ومع أن الإسلام ضيق مصادره وحصرها هذا الحصر، فإنه من جانب آخر عامل الأرقاء معاملة كريمة، وفتح لهم أبواب التحرر على مصاريعها كما يتجلي ذلك فيما يلي:

مُعاملة الرقيق:

لقد كَرّمَ الإسلام الرقيق، وأحسن إليهم، وبسط لهم يد الحنان، ولم يجعلهم موضع إهانة ولا ازدراء ويبدو ذلك واضحًا فيما يلي:

1 -أوصى بهم فقال:"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنب والصاحب بالجَنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم" (النساء) .

وعن علي رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم"صححه الألباني في صحيح الجامع.

2 -نهى أن ينادى بما يدل على تحقيره واستعباده، إذ قال الرسول - صلى الله عليه وسلم"لا يقل أحدكم عبدي أو أمتي وليقل فتاي وفتاتي، وغلامي"صححه الألباني في صحيح الجامع.

3 -أمر أن يأكل ويلبس مما يأكل المالك، فعن ابن عمر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم قال:"خَولكم (خَدَمُكم) إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم"متفق عليه.

4 -نهى عن ظلمهم وأذاهم، فعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه"رواه مسلم.

وعن أبي مسعود الأنصاري قال:"بينما أنا أضرب غلامًا إذ سمعت صوتًا من خلفي، فإذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول:"اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"فقلت:"هو حر لوجه الله"."

فقال:"لو لم تفعل لمستك النار"رواه مسلم.

وجعل للقاضي حق الحكم بالعتق إذا ثبت أنه يعامله معاملة قاسية.

طريق التحرير:

وقد فتح الإسلام أبواب التحرير، وبيّن سُبل الخلاص، واتخذ وسائل شتى لإنقاذ هؤلاء من الرق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت