تثبت ولاية الإجبار على الشخص الفاقد الأهلية مثل المجنون، والصبي غير المُميِّز، كما تثبت هذه الولاية على الشخص الناقص الأهلية مثل الصبي والمعتوه المميّزين، ومعنى ثبوت ولاية الإجبار - أن للولي حق عقد الزواج لمن له الولاية عليه من هؤلاء دون الرجوع إليهم لأخذ رأيهم، ويكون عقده نافذًا على المُولىَّ عليه دون توقف على رضاه.
وقد جعل الشارع هذه الولاية الإجبارية للنظر في مصالح المولىَّ عليه، إذ أن فاقد الأهلية أو ناقصها عاجز عن النظر في مصالح نفسه، وليس له من القدرة العقلية ما يستطيع بها أن يُدرك مصلحته في العقود التي يعقدها، والتصرفات التي تصدر عنه بسبب الصغر أو الجنون أو العته، ومن ثم فإن تصرفات فاقد الأهلية أو ناقصها ترجع إلى وليه، إلا أن فاقد الأهلية إذا عقد الزواج فإن عقده يقع باطلًا، إذا لا تُعتبر عباراته في إنشاء العقود والتصرفات لعدم التمييز الذي هو أصل الأهلية.
أما ناقص الأهلية إذا عقد عقد الزواج فإن عقده يقع صحيحًا، متى توفرت الشروط اللازمة، إلا أنه يتوقف على إجازة الولي، فإن شاء أجازه، وإن شاء رده.
ذهب جمهور العلماء، منهم مالك والثوري، والليث والشافعي، إلى أن الأولياء في الزواج هم العصبة .. وليس للخال ولا للإخوة لأم، ولا لولد الأم، ولا لأي من ذوي الأرحام ولاية.
قال الشافعي: لا ينعقد نكاح امرأة إلابعبارة الولي القريب، فإن لم يكن فبعبارة الولي البعيد، فإن لم يكن فبعبارة السُلطان.
أي أن الترتيب يجب أن يكون هكذا: الأب، ثم الجد [أبو الأب] ، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم، ثم ابنه. على هذا الترتيب، ثم الحاكم، أي أنه لا يزوج أحد وهناك من هو أقرب منه، لأنه حق مستحق بالتعصب، فأشبه الإرث، فلو زوج أحد منهم على خلاف هذا الترتيب المذكور لم يصح الزواج"وهذا هو الذي ينبغي عندي عليه التعويل وإليه أميل".
جواز تزويج الرجل نفسه من مُولِّيته:
يجوز للرجل أن يُزوج نفسه من المرأة التي يلي أمرها دون الاحتياج إلى ولي آخر، إذا رضيت به زوجًا لها. فعن سعيد بن خالد عن أم حكيم بنت قارظ، قالت لعبد الرحمن بن عوف: إنه خطبني غير واحد، فزوجني أيهم رأيت .. قال: وتجعلين ذلك إليّ؟ قالت: نعم. قال: قد تزوجتك.
وقال مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوجها من نفسه، أو ممن اختار لها - لزمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وهذا مذهب الأحناف، والليث، والثوري، والأوزاعي.
وقد جاء في صحيح الإمام البخاري عن أنس"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم أعتق صفية، وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وأَوْلَم عليها بِحَيسٍ".
فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم زوج مولاته من نفسه وهو الجحة على من سواه، وقال الله تعالى:"وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يُغنهم الله من فضله، والله واسع عليم"فمن أنكح أيمة من نفسه برضاها فقد فعل ما أمره الله تعالى به، ولم يمنع الله - عز وجل - من أن يكون المنكح لأيمة هو الناكح لها، وهذا ما رجحه ابن حزم الظاهري وغيره، وهو الراجح عندي.
غيبة الولي:
إذا كان الولي الأقرب المستوفي في شروط الولاية موجودًا فلا ولاية للبعيد معه، فإذا كان الأب - مثلًا - حاضرًا لا يكون للأخ ولاية التزويج، ولا للعم، ولا لغيرهما ... فإن باشر واحد منهما زواج الصغيرة ومن في حكمها بغير إذن الأب وتوكيله كان فضوليًا، وعقده موقوف على إجازة من له الولاية، وهو الأب.