عن عمرو بن الأحوص الجشمي رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول: بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ. ثم قال:"ألا، واستوصوا بالنساء خيرًا فإنما هُنَّ عَوَانٌ (أي أسيرات) عندكم ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّنة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهم ضربًا غير مُبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا ... ألا إن لكم على نسائكم حقًا، ولنسائكم عليكم حقًا فحقكم عليهن ألا يُوطئن فُرشكم من تكرهونه، ولا يأذنّ في بيوتكم من تكرهونه، ألا وحقهن عليكم أن تُحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن"رواه ابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح وصححه الألباني في الإرواء.
أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات وأصل ذلك قول الله تعالى:"ولَهُنَّ مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهم درجة" (البقرة 229) فالآية تُعطي المرأة من الحقوق مثل ما للرجل عليها، فكلما طولبت المرأة بشيء طولب الرجل بمثله.
والأساس الذي وضعه الإسلام للتعامل بين الزوجين وتنظيم الحياة بينهما هو أساس فطري وطبيعي, فالرجل أقدر على العمل والكدح والكسب خارج المنزل، والمرأة أقدر على تدبير المنزل، وتربية الأولاد، وتيسير أسباب الراحة البيتية، والطمأنينة المنزلية، فيكلف الرجل ما هو مناسب له، وتكلف المرأة ما هو من طبيعتها، وبهذا ينتظم البيت من ناحية الداخل والخارج دون أن يجد أي واحد من الزوجين سببًا من أسباب انقسام البيت على نفسه.
وقد حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم بين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها فجعل على فاطمة خدمة البيت وجعل على عليّ العمل والكسب.
وروى البخاري ومسلم أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحا وتسأله خادمة, فقال:"ألا أدلكما على ما هو خير لكما مما سألتما: إذا أخذتما مضاجعكما فسبِّحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم".
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: ?كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس فكنت أسوسُه وكنت أحِشُّ له، وأقوم عليه ? وكانت تعلفه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتعجن، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ.
ففي هذين الحديثين ما يفيد بأن على المرأة أن تقوم بخدمة بيتها كما أن على الرجل أن يقوم بالإنفاق عليها.
وقد شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ما كانت تلقاه من خدمة، فلم يقل الرسول - صلى الله عليه وسلم لعليّ: لا خدمة عليها وإنما هي عليك.
وكذلك لما رأى خدمة أسماء لزوجها لم يقل لاخدمة عليها، بل أقره على استخدامها وأقر سائر أصحابه على خدمة أزواجهن، مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية.
قال ابن القيم: هذا أمر لا ريب فيه، ولا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة، وفقيرة وغنية، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءت الرسول - صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة، فلم يشكها؟ (أي لم يسمع شكايتها) .
وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا، ألا إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبيخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت عن ذلك، ولا يسوغ لها الامتناع، بل كانوا يضربون نساءهم إذ قصرن في ذلك، ويأخذونهن بالخدمة ... فلولا أنها مُستحقة لما طالبوهن. هذا هو المذهب الصحيح خلافًا لما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة والشافعي من عدم وجوب خدمة المرأة لزوجها، وقالوا: إن عقد الزواج إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع ... والأحاديث المذكورة تدل على التطوع ومكارم الأخلاق.
تجاوز الصدق بين الزوجين:
المحافظة على الانسجام في البيت، وتقوية روابط الأسرة غاية من الغايات التي يُستباح من أجل الحصول عليها تجاوز الصدق. وقد روى البخاري ومسلم عن أم كلثوم رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول:"ليس الكذَّاب الذي يُصلح"