فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 503

وساقوا الإبل، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم، في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جيء بهم فأمر بهم فقُطعت أيديهم وأرجلهم وسُمِّلَتْ (فُقِئت) أعينهم، وتركهم في الحرَّة (أرض خارج المدينة ذات حجارة سوداء) يستسقون فلا يُسقون حتى ماتوا.

قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله فأنزل الله عز وجل:"إنما جزاء الذين يُحاربون الله ورسوله"الآية.

العقوبات التي قدرتها الآية الكريمة:

والعقوبة التي قررتها هذه الآية للذين يُحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا هي إحدى عقوبات أربع:

1 -القتل.

2 -أو الصلب.

3 -أو تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف.

4 -أو النفي من الأرض.

وهذه العقوبات جاءت في الآية معطوفة بحرف"أو"فقال بعض العلماء"إن العطف بها يفيد التخيير، ومعنى هذا أن للحاكم أن يتخير عقوبة من هذه العقوبات، حسب مايراه من المصلحة، بصرف النظر عن الجريمة التي ارتكبها المحاربون، وقال أكثر العلماء: إنَّ"أو"هنا للتنويع لا للتخيير ومقتضاه أن تتنوع العقوبة حسب الجريمة وأن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير."

ذكر ابن جرير قال: حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال:"قال الليث: وكذلك حدثني موسىلمدني - وهو الأمير عندنا - أن عليًا الأسدي حارب، وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يقدروا عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلًا يقرأ هذه الآية:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعًا، إنه هو الغفور الرحيم"الزمر."

فوقف عليه فقال يا عبد الله: أعد قراءتها فأعادها عليه فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا حتى قدم المدينة من السَحَر، فاغتسل ثم أتى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليَّ، جئت تائبًا من قبل أن تقدروا عليَّ، فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم - وهو أمير على تلك المدينة - في زمن معاوية.

فقال: هذا عليّ جاء تائبًا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل، فترك من ذلك كله. قال: وخرج علي تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر، فلقوا الروم فقرنوا سفينة إلى سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا منه إلى شقها الآخر فمالت به وبهم، فغرقوا جميعًا.

فإن كانت الحرابة مقصورة على إخافة المارة وقطع الطريق، ولم يرتكبوا شيئًا وراء ذلك فهؤلاء ينفون من الأرض، والنفي من الأرض قد يكون معناه اليوم في عصرنا (أي السجن) فيبقون في السجن حتى يظهر صلاحهم. (لأن السجن هو خروج من سعة الدُنيا إلى ضيقها) .

وإن كانت الحرابة بأخذ المال من غير قتل فعقوبة ذلك قطع اليد اليُمنى والرجل اليُسرى لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة.

وإن كانت الحرابة بالقتل دون أخذ المال، فإن هذا يستوجب القتل متى قدر الحاكم على المحاربين، ولا عبرة بعفو ولي الدم أو رضاه بالدية لأن عفو ولي الدم أو رضاه بالدية في القصاص لا في الحرابة.

وإن كانت الحرابة بالقتل وأخذ المال ففي هذا القتل والصلب، أي يصلبوا أحياء ليموتوا، فيربط على خشبة أو عمود أو نحوهما منتصب القامة، ممدود اليدين ثم يطعن حتى يموت، أو يُشنق أو يطلق الرصاص على صدره وقلبه، ومن الفقهاء من قال: إنه يقتل أولًا ثم يصلب للعبرة والعظة.

والأمر متروك للحاكم المسلم يختار منها ما تدرأ به المفسدة وتتحقق به المصلحة، وما ذكرناه فهو اجتهادات للأئمة الأعلام وهو في نطاق تفسير الآية الكريمة.

يُقام حد الحرابة على المحاربين إذا قُبض عليهم قبل التوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت