والجهاد مأخوذ من الجهد وهو الطاقة والمشقة، يُقال جاهد يُجاهد جهادًا ومجاهدة، إذا استفرغ وسعه، وبذل طاقته، وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته، وهو ما يُعبر عنه بالحرب في العُرف الحديث، والحرب هي القتال المُسلح بين دولتين فأكثر، وهي أمر طبيعي في البشر، لا تكاد تخلو منه أمة ولا جيل.
تشريع الجهاد في الإسلام:
أرسل الله رسوله إلى الناس جميعًا، وأمره أن يدعو إلى الهُدى ودين الحق، ولبث في مكة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
وكان لابد من أن يلقى مناوأة من قومه الذين رأوا أن الدعوة الجديدة خطر على كيانهم المادي والأدبي.
فكان توجيه الله له أن يلقى هذه المناوأة بالصبر، والعفو، والصفح الجميل:"واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا"الطور 48."فاصفح عنهم، وقل سلامُُ فسوف يعلمون"الزخرف 89."فاصفح الصفح الجميل"الحجر 85."قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله"الجاثية 14.
ولم يأذن الله بأن يقابل السيئة بالسيئة، أو يواجه الأذى بالأذى، أو يُحارب الذين حاربوا الدعوة، أو يقاتل الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات.
"ادفع بالتي هي أحسن السيئة، نحن أعلم بما يصفون"المؤمنون 96.
وكل ما أمر به جهادًا في هذه الفترة أن يُجاهد بالقرآن، والحُجة، والبرهان."وجاهدهم به جهادًا كبيرًا" (الفرقان 52) .
ولما اشتد الأذى، وتتابع الاضطهاد حتى وصل قمته بتدبير مؤامرة لاغتيال الرسول الكريم، اضطر أن يُهاجر من مكة إلى المدينة، ويأمر أصحابه بالهجرة إليها بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة.
"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" (الأنفال) .
"إلا تنصروه فقد نصره الله" (التوبة 40) .
وفي المدينة - عاصمة الإسلام الجديدة - تقرر الإذن بالقتال حين أطبق عليهم الأعداء واضطروا إلى امتشاق الحُسام، دفاعًا عن النفس، وتأمينًا للدعوة.
وكان أول آية نزلت قول الله سُبحانه:"أُذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلموا، وإنَّ الله على نصرهم لقدير. الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله"الحج 39.
"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهُدِّمت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجد يُذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المُنكر ولله عاقبة الأمور" [الحج 40 - 41] .
وفي هذه الآيات تعليل للإذن بالقتال بأمور ثلاثة:
1.أنهم ظُلموا بالاعتداء عليهم، وإخراجهم من ديارهم بغير حق إلا أن يدينوا دين الحق، ويقولوا: ربنا الله.
2.أنه لولا إذن الله للناس بمثل هذا الدفاع، لهدمت جميع المعابد التي يُذكر فيها اسم الله كثيرًا، بسبب ظُلم الكافرين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
3.أن غاية النصر، والتمكين في الأرض، والحكم: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
إيجابه: وفي السَّنة الثانية من الهجرة، فرض الله القتال، وأوجبه بقوله تعالى:"كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" (البقرة 216) .
الجهاد فرض كفاية: