فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 503

والظاهر من جمع طرق الحديث، أن هذا السحر كان من نوع عقد الرجل عن زوجته، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يستطيع أن يُجامع إحدى زوجاته، فإذا اقترب منها لم يستطع ذلك، ولم يمس هذا السحر عقله ولا سلوكياته ولا تصرفاته، وإنما كان قاصرًا على ما ذُكر.

واختلف في مدة هذا السحر، فقيل أربعين يومًا، وقيل غير ذلك، فالله أعلم ثم دعا النبي - صلى الله عليه وسلم ربه وألح في الدعاء، فاستجاب الله دعاءه، وأنزل ملكين جلس أحدهما عند رأس النبي - صلى الله عليه وسلم والآخر عند رجليه، فقال أحدهما ما به؟ فرد عليه الآخر: مطبوب - مسحور - قال: من سحره؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، ثم بين أنه سحره في مشط ومُشاطة من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم ووضعه في جف طلع نخلة ذكر - ليكون أقوى وأشد تأثيرًا ثم دفنه في صخرة في بئر ذروان.

فلما انتهى الملكان من تشخيص حالة النبي - صلى الله عليه وسلم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم باستخراج السحر ودفنه، وفي بعض الروايات حرقه، ومن جمع طرق الحديث، يظهر أن اليهود صنعوا للنبي - صلى الله عليه وسلم سحرًا من أشد أنواع السحر وكان غرضهم قتله صلى الله عليه وسلم، ومن السحر ما يقتل كما هو معلوم، ولكن الله عصمه من كيدهم، فخفف إلى أخف أنواع السحر وهو (الربط) .

شُبهة وجوبها:

قال المزري رحمه الله: قد أنكر هذا الحديث المبتدعة من حيث أنه يحط منصب النبوة، ويشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع وقالوا: فلعله حينئذ يخيل إليه أن جبريل عليه السلام يأتيه وليس ثم جبريل، وأنه أوحى إليه.

قال: وهذا الذي قالوه باطل قطعًا لأن دليل الرسالة وهو المعجزة، دل على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى، وعصمته - صلى الله عليه وسلم فيه، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل. زاد المسلم (4/ 221)

قال أبو الجكني اليوسفي رحمه الله:

أما وقوع المرض للنبي - صلى الله عليه وسلم بسبب السحر، فلا يجر خللًا لمنصب النبوة، لأن المرض الذي لا نقص فيه في الدنيا، يقع للأنبياء ويزيد من درجاتهم في الآخرة عليهم الصلاة والسلام، وحينئذ فإذا خُيّل له بسبب مرض السحر أنه يفعل شيئًا من أمور الدنيا، وهو لم يفعله، ثم زال ذلك عنه بالكلية بسب إطلاع الله تعالى له على مكان السحر، وإخراجه إياه من محله ودفنه، ولا يلحق الرسالة من هذا كله شيء لأنه مرض كسائر الأمراض، لا تسلط له على عقله بل هو خاص بظاهر جسده كبصره، حيث صار يخيل إليه تارة فعل الشيء من ملامسة بعض أزواجه وهو لم يفعله، وهذا في زمن المرض لا يضر، قال: والعجب ممن يظن هذا الذي وقع من المرض بسبب السحر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم قادحًا في رسالته مع ما هو صريح في القرآن في قصة موسى مع سحرة فرعون، حيث صار يُخيّل إليه من سحرهم أن عصيهم تسعى، فثبته الله كما دل عليه قوله تعالى"قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يُفلح الساحر حيث أتى. فأُلقي السحرة سُجَّدًا. قالوا آمنا برب هارون وموسى" (طه 68 - 70) ولم يقل أحد من أهل العلم ولا من أهل الذكاء أن ما خُيّل لموسى عليه الصلاة والسلام أولًا من سعي عصى السحرة قادح في رسالته، بل وقوع مثل هذا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد قوة الإيمان بهم لكون الله تعالى ينصرهم على أعدائهم، ويخرق لهم العادة بالمعجزات الباهرة، ويخذل السحرة والكفرة ويجعل العاقبة للمتقين كما هو مبين في آيات الكتاب المبين. أ هـ زاد المسلم (4/ 221) .

2.وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المُحصنات المؤمنات الغافلات"رواه البخاري ومسلم.

مفردات الحديث:

الموبقات: المهلكات.

التولي: الفرار والنكوص.

يوم الزحف: ساعة الجهاد في سبيل الله.

قذف المحصنات: رمي المرأة بالزنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت