سبق أن ذكرنا أن الزكاة واجبة على الفور، وأن وضعها في مصارفها المقررة في القرآن الكريم يقتضي الفورية أيضًا ما دام في المجتمع مستحقون، وذكرنا أن هذا هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد، والكرخي من أئمة الحنفية وجمهور الفقهاء.
وبناء على رأي الجمهور وما ذكره الأئمة الثقات أن استثمار أموال الزكاة في مشاريع استثمارية تجارية لا يجوز إذا وجد في المجتمع محاويج ومستحقون .. لأن هذا الاستثمار يؤخر إيصال الزكاة إلى مستحقيها من ناحية، وقد تتعرض الأموال الزكوية إلى الهلاك بسبب الخسارة من ناحية أخرى.
نعم في حال أن أموال الزكوات كثرت وفاضت، وأصبح المجتمع الإسلامي مكفيًا، ولم يوجد في الأمة فقراء مستحقون، ولم يُعثر على أي مصرف من المصارف الزكوية لوضع الزكاة فيه. عندئذ يجوز وضع هذه الأموال في مشاريع استثمارية لصالح الفقراء بشرط أن تكون الجهة التي تقوم على الاستثمار ضامنة للخسارة إذا وقعت خسارة، حتى لا يضيع حق الفقراء في المستقبل، والله أعلم.
من الأمور المتفق عليها لدى الفقهاء أن الزكاة التي يُخرجها المسلم من ماله ليست ضريبة مالية كالضرائب التي يدفعها المواطنون للدولة، وإنما هي عبادة مالية قبل كل شيء، وهي أمر من الله عز وجل للعبد في إخراجها، وهي فرض لازم يستحق مانعها العقوبة في الدنيا والآخرة، وهي وسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع، وهي ذات نِسَبٍ محددة المقدار على حسب نوعية المال، وهي ذات مصارف مبينة في القرآن الكريم، وهي خاصة بالمستحقين من المسلمين، [ما عدا سهم المؤلفة قلوبهم فيجوز إعطاؤه لغير المسلم] .
أما الضرائب المالية فمن خصائصها: أنها من وضع البشر، وأن المسلم وغير المسلم يشترك في أدائها، وأن العقوبة لمن يمنعها دنيوية، وأن حصيلتها توضع في أمور الدولة، وأنها تصرف للمسلم وغير المسلم، وأنها معرضة للبقاء والإلغاء، والزيادة والنقصان .. إلى غير ذلك من هذه الخصائص.
من هذه الموازنة يتبين أن فريضة الزكاة تختلف كل الاختلاف عن ضريبة المال: تختلف في مصدر التشريع، تختلف في الوسيلة والغاية، تختلف في المقدار والنسبة، تختلف في الإنفاق والاختصاص، تختلف في الزجر والعقوبة.
يقول الأستاذ القرضاوي في كتابه"فقه الزكاة":"أما إننا لو أجزنا للأفراد احتساب ما يؤخذ منهم - أي ضرائب - من الزكاة، لكان ذلك حكمًا بالإعدام على هذه الفريضة الدينية، فتذهب البقية الباقية من حياة الأفراد، كما ذهبت من قوانين الحكومات، وهذا ما لا يوافق عليه عالم من علماء الإسلام في أي زمان أو مكان".
ومن المعلوم أن الضريبة اليوم إذا احتسبت من الزكاة فمعنى هذا أن الفقراء واليتامى والأرامل والعجزة .. تعرضوا للتشريد والضياع، والجوع والحرمان .. لأن الأغنياء استنفذوا أموالهم الزكوية بالضرائب .. فإذا سئل واحد منهم عن معونة لمحتاج، قال أديت زكاتي وبرئت أمام الله ذمتي .. وهذا مما لا يقره مسلم ذاق طعم الإيمان.
وصفوة القول: إن حسبان الضريبة من الزكاة لا يصح دينًا ولا يجوز شرعًا، والمسلم مسؤول عن زكاته أمام الله في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
فليحذر المسلم فتاوي المنحرفين ممن يريدون أن يحرفوا الكَلِمَ عن مواضعه، فهذا العلم دين فانظر -أخي المسلم - ممن تأخذ عنهم دينك.
هل يجوز دفع القيمة في الزكاة؟:
إذا وجب على صاحب المال شاة في غنمه، أو ناقة في إبله، أو كيس من قمحه، أو قنطار في ثمره وفاكهته .. فهل يتحتم عليه أن يخرج زكاة هذه الأشياء عينية أم يخير بينها وبين أداء قيمتها بالنقود مثلًا؟"."
رأيان للفقهاء:
الرأي الأول: أن دفع القيمة لا يجزيء بحال، وإلى هذا الرأي ذهب فقهاء الشافعية والظاهرية، وبعض روايات عند المالكية والحنابلة.