فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 503

ما هو السبب أن الله عز وجل لم يقبل دعاء هؤلاء الثلاثة:

للأسباب الآتية:

الأول: إذا دعا عليها لا يستجيب له، لأنه المُعَذِّبُ نفسَه بمعاشرتها وهو في سَعَةٍ من فراقها.

الثاني: لأنه المفرِّط المقصِّر بعدم امتثال قوله تعالى"واستشهدوا شهيدين من رجالكم"وقد يضطر الدائن أن يدعو على المدين لأنه أنكر الحق الذي عليه فإذا دعا الدائن على المدين حينئذ لا يُستجاب له لأنه لم يُشهد على دينه.

الثالث: لا يُستجاب له لأنه أعطى السفيه المحجور عليه فكان مضيعًا لماله فلا عذر له.

تنبيه: ومن أراد أن تكون دعوته مستجابة فليتدبر قول النبي - صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه:"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلىّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإذا أحببته كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه"البخاري.

1.أن يكون عالمًا بأنه لا يقدر على حاجته إلا الله سبحانه، وأن من عداه في قبضته ومُسَخَّر بتسخيره عز وجل، فلا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم"إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني.

2.أن لا يكون المسئول بالدعاء ممتنعًا عقلًا ولا عادة: كإحياء الموتى، ورؤية الله في الدُنيا، وإنزال مائدة من السماء، ونحوه مما هو مختص بالأنبياء من المعجزات، لكن يسأل الله تبارك وتعالى سؤالًا مطلقًا أن يكشف عنه ضرورة وقعت له، فيجوز أن ينقض الله له عادة، وقد يفعل الله به ذلك من غير سؤال جزاء له على توكله وقوة إيمانه، ولا يدعو بأمر قد فُرِغَ منه كالآجال، أو المرور على الصراط المستقيم، أو الورود على جهنم - أعاذنا الله منها - ولا يدعو بما هو مستحيل كالخلود في الدنيا وقد علم أن الله كتب على عباده الفناء، واستأثر سبحانه بالبقاء، فهذا كله من الاعتداء المنهي عنه في الدعاء.

3.أن لا يدعو بإثم كأن يسأل خمرًا يشربها أو امرأة يفحش بها، لما فيه من استباحة الحرام. قال - صلى الله عليه وسلم:"ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدعُ بإثم، أو قطيعة رحم"رواه الترمذي وحسنه الألباني. فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في الرَحِمِ جميع حقوق المسلمين ومظالمهم. ويدخل في هذا أن يدعو بالشر على من لا يستحقه، أو على بهيمة مثلًا، أو يطلب وقوع المحرمات في الوجود، كقوله:"اللهم أمته كافرًا، أو اسقه خمرًا".. الخ لأن في ذلك محبة لمعصية الله.

4.أن لا يكون له فيما سأل غرض فاسد، كسؤال المال والجاه والولد والعافية للتفاخر والتكاثر، والاستعانة بها على قضاء شهواته.

5.أن لا يكون الدعاء على وجه الاختبار لربه تعالى أو التجريب، بل يكون سؤالًا محضًا، إذ العبد ليس له أن يختبر ربه عز وجل.

6.أن لا يستعجل، ولا يضجر من تأخُّر الإجابة، كمن له حق على غيره، إذ ليس لأحد على الله حق، قال - صلى الله عليه وسلم"يُستجاب لأحدكم ما لم يَعجَل: يقول: قد دعوت ربي فلم يُستَجب لي"البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم:"قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت، فلم أر يستجب لي، فيستحسر عند ذلك، وَيدَعُ الدعاء". وأيضًا فقد تكون مصلحته في التأخير، والدعاء عبادة واستكانة، فالضجر والاستعجال ينافيهما.

7.أن يُصلح لسانه إذا دعا، ويحترز عما يُعد إساءة في المخاطبات، لوجوب تعظيم الله عز وجل على عبده في كل حال، وهو في حال السؤال أوجب، وكذا لا يدعو بما لا يليق ولا ينبغي وإن كان حقًا كأن يقول:"يا خالق الحيات والعقارب"أو"يا ضار".

8.أن يدعو بلسان الذلة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق، ويُكره في الدعاء السجع وتكلّفُ صنعة الكلام له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت