فمن قال أن الاستثناء راجع إلى الأمرين معًا قال بجواز قبول الشهادة بعد التوبة، ومن قال أن الاستثناء راجع إلى الحُكم بالفسق، قال بعدم قبولها مهما كانت توبته.
والراجح عندي هو أنه تقبل شهادة المحدود في قذف إذا تاب توبة نصوحًا وأصلح تمشيًا مع روح النص القرآني.
تكرار القذف لشخص واحد:
إذا قذف القاذف شخصًا واحدًا أكثر من مرة، فعليه حد واحد إذا لم يكن قد حد لواحد منها، فإن كان قد حد لواحد منها ثم عاد إلى القذف، حد مرة ثانية، فإن عاد حُد مرة ثالثة وهكذا يحد لكل قذف.
قذف الجماعة:
إذا قذف القاذف جماعة ورماهم بالزنا، فقد اختلفت أنظار الفقهاء في حكمه إلى ثلاثة مذاهب:
1.المذهب الأول: مذهب القائلين بأنه يحد حدًا واحدًا وهم أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، والثوري.
2.المذهب الثاني: مذهب القائلين بأن عليه لكل واحد حدًا، وهم الشافعي والليث وغيرهم.
3.المذهب الثالث: مذهب الذين فرقوا بين أن يجمعهم في كلمة واحدة. مثل أن يقول لهم: يا زناة أو يقول: لكل واحد: يا زاني، ففي الصورة الأولى يحد حدًا واحدًا، وفي الثانية عليه حد لكل واحد منهم. وهو المذهب الراجح عندي.
هل الحد حق من حقوق الله أو من حقوق الآدميين:
ذهب أبو حنيفة إلى أن الحد حق من حقوق الله، ويترتب على كونه حقًا من حقوق الله: أنه إذا بلغ الحاكم، وجب عليه إقامته، وإن لم يطلب ذلك المقذوف، ولا يسقط بعفوه، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ويتنصف فيه الحد بالرق مثل الزنا.
سقوط الحد:
ويسقط حد القذف بمجيء القاذف بأربعة شهداء، لأن الشهداء ينفون عنه صفة القذف الموجبة للحد، ويثبتون صدور الزنا بشهادتهم، فيُقام حد الزنا على المقذوف، لأنه زان، وكذلك إذا أقر المقذوف بالزنا واعترف بما رماه به القاذف.
وإذا قذفت المرأة زوجها فإنه يُقام عليها الحد، إذا توفرت شروطه بخلاف ما إذا قذفها هو ولم يقم عليها البينة، فإنه لا يُقام عليه الحد، وإنما يتلاعنان، وقد تقدم ذلك في باب اللعان.
أحبائي في الله: لقد صان الإسلام بتشريعه الخالد كرامة الإنسان فجعل الاعتداء على الأنفس والأعراض والأموال جرائم شنعاء تستوجب أشد أنواع العقوبات، حتى لا يعيث المجرمون في الأرض فسادًا، وحتى لا يفتح للمتلاعبين بأمن الأفراد والجماعات بابًا.
والعجيب أن هؤلاء الغربيين يستعظمون قتل القاتل، وقطع يد السارق، ويزعمون أن هؤلاء المجرمين ينبغي أن يحظَوا بعطف المجتمع، وأن هذه العقوبات الصارمة لا تليق بمجتمع متحضر، ويدعون إلى إلغاء هذه العقوبات وهم الذين يفعلون ما تشيب له الرؤوس، وتنخلع له الأفئدة، فالحروب الهمجية التي يثيرونها والأعمال الوحشية التي يقومون بها من قتل الأبرياء والاعتداء على الأطفال والنساء وتهديم المنازل على من فيها لا تعتبر في نظرهم وحشية، ولقد أحسن الشاعر حين صور هؤلاء الغربيين بقوله:
قتل امريء في غابة *** جريمة لا تُغتفر
وقَتْلُ شعب آمن *** مسألةٌ فيها نظر