والكفالة نوعان:
الأول: كفالة بالنفس.
الثاني: كفالة بالمال.
الكفالة بالنفس: ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الكفالة بالنفس وتعرف بضمان الوجه (وهي التزام الكفيل بإحضار الشخص المكفول إلى المكفول له) . وهي جائزة عندهم إذا كان المكفول به حق لآدمي ولا يشترط العلم بقدر ما على المكفول لأنه تكفل بالبدن لا بالمال، أما إذا
كانت الكفالة في حدود الله، فإنها لا تصح سواء أكان الحد حقًا لله تعالى كحد الخمر، أو كان حقًا لآدمي كحد القذف، لأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني. وهذا مذهب أكثر العلماء.
ومنعها ابن حزم فقال:"لا تجوز الضمانة بالوجه أصلًا لا في مال ولا حد، ولا في شيء من الأشياء لأن كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ومن طريق النظر أن نسأل من قال بصحته عمن تكفل بالوجه فقط فغاب المكفول عنه ماذا تصنعون بالضامن بوجهه؟ أتلزمونه غرامة ما على المضمون؟ فهذا جور وأكل مال بالباطل، لأنه لم يلتزمه قط، أم تتركونه؟ فقد أبطلتم الضمان بالوجه، أم تكفلونه طلبه؟ فهذا تكليف الحرج وما لا طاقة له به وما لم يكلفه الله إياه قط."
وأجاز الكفالة بالوجه جماعة من العلماء. واستدلوا"بأنه - صلى الله عليه وسلم كفل في تهمة قال:"وهو خبر باطل لأنه من رواية ابراهيم بن خيثم بن عراك وهو وأبوه في غاية الضعف لا تجوز الرواية عنهما. ثم ذكر آثارًا عن عمر بن عبد العزيز وردها كلها بأنها لا حجة فيها، إذ الحجة في كلام الله ورسوله لا غير"."
وقالوا: متى تكفل بإحضاره لزمه إحضاره فإن تعذر عليه إحضاره يُحبس الكفيل إلى أن يُأتى بالمكفول أو يُعلم موته، ولا يغرم المال إلا إذا شرطه على نفسه وهذا هو مذهب الأحناف. وذهب المالكية وأهل المدينة أنه إن تعذر عليه احضاره غرم ما عليه إلا إذا اشترط إحضاره دون المال.
وقالوا: إذا مات الأصيل فإنه لا يلزم الكفيل الحق الذي عليه، لأنه إنما تكفل بالنفس ولم يكفل بالمال، فلا يلزمه مالم يتكفل به. وهذا هو المشهور من قول الشافعي.
وكذلك يبرأ الكفيل إذا سلم المكفول نفسه، ولا يبرأ الكفيل بموت المكفول له بل تقوم ورثته مقامه في المطالبة بإحضار المكفول.
قلت: وما ذهب إليه ابن حزم الظاهري هو القول الراجح عندي، فلا يجوز الضمانة بالوجه لا في مال ولا في حد ولا في شيء من الأشياء لأنه لم يرد بها دليل شرعي ينهض للاحتجاج به.
الكفالة بالمال: هي التي يلتزم فيها الكفيل التزامًا ماديًا وهي أنواع ثلاثة:
1 -الكفالة بالدين: وهي التزام أداء دين في ذمة الغير.
ففي حديث سلمة بن الأكوع أن النبي - صلى الله عليه وسلم امتنع عن الصلاة على من عليه الدين، فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليّ دينه، فصلى عليه. أخرجه البخاري وأحمد، لذلك ذهب الجمهور إلى صحة الكفالة عن الميت ولا رجوع له في مال الميت.
ويشترط في الدين:
أ. أن يكون ثابتًا وقت الضمان كدين القرض والثمن والأجرة والمهر، فإذا لم يكن ثابتًا فإنه لا يصح، فضمان ما لم يجب غير صحيح، كما إذا قال: بع لفلان وعليّ أن أضمن الثمن أو أقرضه وعليّ أن أضمن بدله. وهذا مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن والظاهرية وهو الراجح عندي. وأجاز ذلك أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف وقالوا بصحة ضمان ما لم يجب.