"الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب" (الرعد) وقال تعالى"فاذكروني أذكركم" (البقرة 152) وقال جل وعلا"فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا" (البقرة 200) .
هذا وقد جمع المحقق ابن القيم الجوزية طائفة عظيمة من فوائد الذكر في كتابه"الوابل الصيب"فراجعها ص 69 - 155.
أولًا: أن يكون المكان الذي يذكر الله فيه نظيفًا خاليًا:
وذلك لأن التنزه عن ملابسة النجاسة مطلقًا مندوب إليه، فتدخل حالة الذكر والدعاء تحت ذلك دخولًا أَوّليًا، وإن لم يرد ما يدل على هذا على الخصوص، فإن الذكر عبادة للرب سبحانه، والنظافة على العموم قد ورد الشرع بالترغيب فيها كما في قوله تعالى"وثيابك فطهِّر والرجز فاهجر" (المدثر) ومن هنا مدح الذكر في المساجد والمواضع الشريفة، وعن أبي ميسرة رضي الله عنه قال:"لا يُذكر الله تعالى إلا في مكان طيِّب".
وينبغي أن يكون المكان خاليًا من كل ما يشغل البال ويحصل من وجوده الوسواس والاشتغال، فإن ذلك أقرب إلى حضور القلب، وأبعد عن الرياء والمباهاة، وأعون على تدبر معنى ما يُذكَر به، ولا شك أن هذه الحال أكمل مما يخالفها.
ثانيًا: ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، ويكون فمه نظيفًا، فإن كان فيه تغير أزاله بالسواك، وذلك لأن الذكر عبادة لسانية، فتنظيف الفم عند ذلك أدب حسن، ومن هنا جاءت السُّنَّة المتواترة بمشروعية السواك للصلاة، لأجل تنظيف المحل الذي يكون الذكر به في الصلاة.
وعن أبي الجهيم رضي الله عنه:"أقبل النبي - صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام"أخرجه البخاري مسندًا ومسلم تعليقًا انظر المجموع للنووي (2/ 214) .
فإذا كان هذا في مجرد رد السلام، فكيف بذكر الله سبحانه؟ فإنه أولى بذلك، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كرهت أن أذكر الله إلا على طُهرٍ"رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة.
ثالثًا: أن يستقبل القبلة فإنها الجهة التي يتوجه إليها العابدون لله سبحانه، والداعون له، والمتقربون إليه، وقد ورد النهي عن أن يبصق الرجل إلى جهة قبلته مُعللًا بمثل هذه العلة كما في الأحاديث الصحيحة.
تنبيه: قال النووي رحمه الله في الأذكار (ص 8 - 9) لو ذكر الله على غير هذه الأحوال جاز، ولا كراهة في حقه، لكن إن كان بغير عذر كان تاركًا للأفضل، والدليل على عدم الكراهة قول الله تعالى:"إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب، الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم" (آل عمران 190) .
(أ) وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم يتكيء في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن"، وفي رواية:"ورأسه في حجري، وأنا حائض) أخرجه البخاري ومسلم."
(ب) وعنها رضي الله عنها قالت"كان - صلى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه"أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما.
رابعًا: أن يتدبر ما يقول، ويَتَعَقَّل معناه، وإن جهل شيئًا تبينه، فإن حضور القلب هو المقصود بالذكر ولا سبيل إليه إلا بذلك وهو الأكمل لأنه يكون بذلك في حُكم المخاطِب والمناجِي، لكن - وإن كان أَجْر هذا أتمَّ وأوفى - فإنه لا يُنافي ثبوت ما ورد الوعد به من ثواب الأذكار لمن جاء بها، فإنه أعم من أن يأتي بها متدبرًا لمعانيها، متعقلًا لما يراد منها أو لا، ولم يرد تقييد ما وعد به من ثوابها بالتدبر والتفهم". جاء في"نزل الأبرار"ص42 (وهذا تقرير حسن فيه توسيع دائرة الرحمة التي وسعت كل شيء"أ هـ.
تنبيهات وفوائد:
الأول: قال الله تعالى:"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حُنفاء"، وقال:"لن ينالَ اللهَ لحومُها ولا دماؤُها ولكن يناله التقوى منكم"أي: النيات.