فعن أبي هريرة قال: خَطَبَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم فقال:"يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا"فقال رجل: أَكُلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا ثم قال - صلى الله عليه وسلم:"لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم"ثم قال:"ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"رواه البخاري ومسلم.
ذهب الشافعي، والثوري، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن إلى أن الحج واجب على التراخي، فَيُؤَدَّى في أي وقت من العمر، ولا يأثم من قام بتأخيره متى أداه قبل الوفاة، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم أَخّرَ الحج إلى سنة عشرة، وكان معه أزواجه وكثير من أصحابه، مع أن إيجابه كان سنة ست فلو كان واجبًا على الفور لما أخره - صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي: فاستدللنا على أن الحج فرضه مرة في العمر، أوله البلوغ، وآخره أن يأتي به قبل موته.
وذهب أبو حنيفة، ومالك وأحمد، وبعض أصحاب الشافعي، وأبو يوسف إلى أن الحج واجب على الفور. لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"من أراد الحج فليُعَجِّل، فإنه قد يمرض المريض، وتضلُّ الراحلة، وتكون الحاجة"رواه أحمد، والبيهقي، والطحاوي، وابن ماجه وحسنه الألباني في صحيح الجامع (5880) .
وعنه - صلى الله عليه وسلم قال:"تعجلوا الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له"رواه أحمد، والبيهقي، وقال: ما يعرض له من مرض أو حاجة. وصححه الألباني في صحيح الجامع (2954) .
وحمل الأولون هذه الأحاديث على الندب، وأنه يستحب تعجيله والمبادرة به متى استطاع المكلف أداءه، وهذا هو الرأي الراجح عندي.
شروط وجوب الحج:
اتفق الفقهاء على أنه يشترط لوجوب الحج، الشروط التالية:
1 -الإسلام. 2 - البلوغ 3 - العقل. 4 - الحرية.
5 -الاستطاعة
فمن لم تتحقق فيه هذه الشروط، فلا يجب عليه الحج، وذلك أن الإسلام، والبلوغ، والعقل، شرط التكليف في أية عبادة من العبادات، وفي الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم قال:"رُفِعَ القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يَشِبّ، وعن المعتوه حتى يعقل"أخرجه الترمذي وابن ماجه وغيرهما وصححه الألباني في صحيح الجامع (3508) .
والحرية شرط لوجوب الحج، لأنه عبادة تقتضي وقتًا، ويشترط فيها الاستطاعة، بينما العبد مشغول بحقوق سيده وغير مستطيع، وأما الاستطاعة، فلقول الله تعالى:"ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا" (آل عمران) .
تتحقق الاستطاعة التي هي شرط من شروط الوجوب بما يلي:
1.أن يكون الُمكلَّف صحيح البدن، فإن عجز عن الحج لشيخوخة، أو زمانة أو مرض لا يُرجى شفاؤه، لزمه إحجاج غيره عنه إن كان له مال.
2.أن تكون ا لطريق آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله، فلو خاف على نفسه من قطاع الطريق، أو وباء، أو خاف على ماله من أن يُسلب منه، فهو ممن لم يستطع إليه سبيلًا.
3.أن يكون مالكًا للزاد والراحلة: والمعتبر في الزاد وهو أن يملك ما يكفيه ذهابًا وإيابًا ويكفي من يعوله حتى يؤدي الفريضة ويعود، والمعتبر في الراحلة أن تمكنه من الذهاب والإياب سواء أكان ذلك عن طريق البر أو البحر، أو الجو، وهذا بالنسبة لمن لا يمكنه المشي لبعده عن مكة، فأما القريب الذي يمكنه المشي، فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه، لأنها مسافة قريبة يُمكنه المشي إليها.
4.أن لا يوجد ما يمنع الناس من الذهاب إلى الحج، كالحبس والخوف من سلطان جائر يمنع الناس منه.