ولاشك أن الرأي الثاني - وهو مذهب الحنابلة ومن وافقهم - هو أقرب لإنصاف الزارع، وأظهر في تحقيق المصلحة له .. فيخرج الزكاة حين يخرجها وهي طيبة بها نفسه.
تنبيهات:
-العبيد والخيل والبغال والحمير لا زكاة فيها لقوله - صلى الله عليه وسلم:"ليس على العبد في فرسه وغلامه صدقة"أخرجه البخاري.
-الفواكه والخضروات لم يثبت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم في زكاتها شيء بَيْدَ أنه يُستحب إعطاء شيء منها للفقراء والجيران لعموم قوله تعالى:"وأنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض"البقرة.
-الخليطان (أي الشريكان) إذا كان كل منهما يملك نصابًا واتحد راعيهما ومرعاهما ومراحهما ومبيتهما تؤخذ الزكاة عنهما مجتمعين، ثم هما يترادان بالسوية، فإذا كان لأحدهما - مثلًا - أربعون شاة وللآخر ثمانون، وأخذ الساعي شاة من شياه صاحب الأربعين رد صاحب الثمانين ثلثي شاة على صاحب الأربعين. هذا ولا يجوز الجمع بين الغنمين المتفرقين هروبًا من الزكاة، ولا تفرقة المجتمعين كذلك لما جاء في كتاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه"ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنها يتراجعان بينهما بالسوية"البخاري ومالك.
الأصل في مصارف الزكاة قول الله تبارك وتعالى:"إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم". سورة التوبة آية 60.
(والمراد بالصدقات في الآية الزكاة المفروضة) وقد بين الله سبحانه ثمانية أصناف كل منهم يستحق الزكاة وهم:
1 -الفقير: هو المحتاج الذي لا يملك إلا نصف حاجته أو أقل وهو أشد حاجة من المسكين.
2 -المسكين: وهو المحتاج ولكنه أحسن حالًا من الفقير، كمن حاجته عشرة وعنده سبعة أو ثمانية، وكون الفقير أشد حاجة من المسكين دل عليه قوله تعالى"أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر"فوصفهم بأنهم مساكين رغم امتلاكهم للسفينة.
ويُعطى الفقير والمسكين من الزكاة كفاية سنة، لأن وجوب الزكاة يتكرر كل سنة فينبغي أن يأخذ ما يكفيه لمثلها.
والكفاية المعتبرة: هي أن يكون المطعم والملبس والمسكن وسائر ما لا بد منه على ما يليق بحاله بغير إسراف ولا إقتار لنفس الشخص، ولمن تلزمه مؤنته، وهو يختلف باختلاف الأزمان والأمكنة والأشخاص، فما كان هنا
كفاية لرجل لا يكون كفاية له هناك، وكذا ما يكون كفاية منذ عشر سنوات لا يكون كفاية اليوم، وكذلك ما يكون كفاية لهذا قد لا يكون كفاية لذاك لكثرة عيال ونفقة ونحو ذلك.
وأفتى أهل العلم بأنه من تمام الكفاية أيضًا علاج المرضى وتزويج الأعزب، وكتب العلم المحتاج إليها، ويشترط فيمن أخذها من الفقراء والمساكين أن يكون مسلمًا وأن لا يكون من بني هاشم ومواليهم وألا يكون ممن تلزم المُزَكِّي نفقته كالوالدين والأولاد والزوجات، وأن لا يكون لقويّ مُكْتَسِب: لقوله - صلى الله عليه وسلم:"لاحظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه محقق جامع الأصول.
3.العاملون عليها: ويُقصد بهم كل الذين يعملون في الجهاز الإداري لشؤون الزكاة من جُباة، ومن خزنة، وحراس، وكتبة، ومحاسبين، وموزعين ... كل هؤلاء جعل الله أجورهم من مال الزكاة.
وهذا الَمصْرِف دليل واضح على أن الزكاة في الإسلام ليست وظيفة موكولة إلى وجدان الفرد وإرادته، وإنما هي وظيفة من وظائف الدولة المسلمة تشرف عليها، وتُدَبِّر أمرها، وتعاقب من يمتنع عن أدائها، وتصرفها في المصارف المخصصة لها .. ومن هنا نص الفقهاء"أنه يجب على الإمام (الخليفة) أن يبعث السعاة لأخذ الزكاة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده كانوا يبعثون السعاة لجباية أموال الزكاة كلها"، وهذا أمر مشهور مستفيض.